هل يدرك مجلس القيادة الرئاسي أين يقف وعجزه على الارض؟
خلال تاريخ اليمن القديم والمعاصر، واجهت بلادنا تحديات جسيمة ومخاطر وحروبًا وصراعات عاصفة هددت كيان الدولة في أكثر من محطة، لكنها رغم كل ذلك لم تشهد حالة من الضعف السياسي والقيادي كما تعيشها اليوم. فهذه المرحلة تُعد من أكثر المراحل ضعفًا وتعقيدًا في تاريخ اليمن السياسي، مثقلة بسلسلة متلاحقة من الانهيارات السياسية والاقتصادية والخدمية، حيث يتقاطع الانهيار مع العجز، وتتسع الفجوة بين السلطة والواقع على نحو غير مسبوق.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبرز السؤال مصيريًا عن مجلس القيادة الرئاسي لا يمكن تجاهله، وتفرضه وقائع التراجع والتردي المتسارع، ألا وهو: أين يقف هذا المجلس فعليًا أمام ما يجري؟ وهل لا يزال يدرك حجم العجز المتفاقم على الأرض، أم أنه غارق في أوهام التماسك والاستقرار بينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتسع دوائر المعاناة تحت أقدام الجميع، وصار الوطن معلقًا بين الهاوية والهاوية؟.
فقد خرجت علينا مؤخراً نغمة سياسية مفرطة في التفاؤل، تحاول تسويق المشهد داخل مجلس القيادة الرئاسي اليمني بوصفه وضعاً «مثالياً وموحداً»، كنوع من الإنجاز الدبلوماسي. هذا المنطق ليس بعيداً عن الواقع فحسب، بل هو منفصل تماماً عن حقيقة ينهشها الجوع وتتقاسمها الفوضى في قاموس السياسة الحقيقية، لا توجد «مثالية» لقادة يجلسون في غرف مغلقة، بينما الشارع يغلي، والشرعية المعترف بها دولياً تفقد كل يوم ما تبقى من رصيدها ومصداقيتها إن كان لها في الأصل رصيد يذكر بسبب العجز والشلل وتتأكل بشكل يومي.
لنتحدث بلغة الأرقام والواقع؛ كيف يمكن وصف حالة مجلس بأنه «مثالي»، والمواطن في المناطق التي يُفترض أنها محررة يعيش تحت وطأة أسوأ انهيار اقتصادي وتاريخي؟ الفقر المدقع يطحن الملايين، والعملة الوطنية تتآكل قيمتها الشرائية ، والخدمات الأساسية في حالة شلل شبه تام. هذا التدهور ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو نتاج مباشر لغياب الأمان والاستقرار في مناطق سيطرة المجلس نفسه، التي تحولت إلى مسرح للانفلات.
المفارقة الكبرى أن هذا المجلس، الذي تأسس في عام 2022 كضرورة لتوحيد الصفوف وبناء جبهة متماسكة، فشل حتى اللحظة في توحيد الصف الجهوري او دمج وتوحيد التشكيلات القتالية المتعددة تحت قيادة عقيدة عسكرية ووزارة دفاع واحدة. بقيت هذه الفصائل بمثابة جزر معزولة، ولاءاتها متباينة، بدلاً من أن تكون جيشاً وطنياً يحمي المواطن ويجابه الانقلاب هذا الفشل التنظيمي قاد بالضرورة إلى جبهات قتال مع الحوثي معطلة تماماً، استسلمت طواعية لجمود معادلة «لا حرب ولا سلم» المريحة للقوى الدولية.
وفي الوقت الذي تغط فيه الشرعية في هذا النوم العميق، لا يبدو أن الطرف الآخر يشاركها ذات الاسترخاء؛ فميليشيا الحوثي الإرهابية تستغل هذا التراخي لتستمر في التحشيد والنفير نحو الجبهات، وشن الاعتداءات المتواصلة على المحافظات المحررة، ممارسةً أبشع صور العنف والتعسف والتركيع بحق أبناء الشعب اليمني. الحوثي يتحرك بعقيدة الحرب والتوسع مستنداً إلى الدعم الإيراني، بينما مجلس القيادة يمارس ترف الانتظار والمراهنة على سراب المسارات السلمية المعطلة.
أما الطامة الكبرى التي تسقط أي ادعاء بالتماسك أو المصلحة الوطنية، فهي الملف المالي. الإيرادات في مناطق الشرعية غير موحدة، ولا تصب في خزينة عامة لإنقاذ الاقتصاد المنهار أو لدفع الرواتب ونجزم بالقول هنا إن هذه الإيرادات قد تحولت، علناً وبلا خجل، إلى إقطاعيات خاصة ومكاسب نفعية لبعض مراكز النفوذ، بل ولأعضاء داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه. كيف يمكن لمجلس يعجز عن توحيد خزينته، ويسمح بنهب إيرادات شعبه لصالح أمراء حرب يشاركونه سلطة القرار، أن يجرؤ على الحديث عن "الانسجام والتوافق"؟
الوقت في السياسة ليس محايداً، والجمود الحالي لا يمكن اعتباره نجاحاً أو استقراراً؛ بل هو عملية استنزاف بطيئة لشرعية تتآكل يوماً بعد آخر، على حساب ثقة المواطنين ومؤسسات الدولة وفرص استعادة الفاعلية السياسية.
القيمة الحقيقية لأي قيادة لا تكمن في قناعتها بأنها «موحدة»، بل في كفاءتها وقدرتها على فرض الأمن، وإطعام الجوعى، وتوجيه البنادق نحو العدو المشترك.
المثالية التي يسوقها الخطاب الرسمي هي مثالية ورقية وصادمة؛ لأن المثالية الحقيقية هي التي يراها المواطن اليمني في استقرار عملته، وأمن مدينته، واستعادة هيبة دولته.. وما دون ذلك ليس إلا تواطؤاً مع العجز، وقبولاً صامتاً بالأمر الواقع الذي يكتبه الحوثي بالحديد والنار.