إيران.. الطائر الذي أثقله الريش
لم تكن إيران يومًا طائرًا يبحث عن التحليق في سمائه فقط، بل أرادت أن تمد أجنحتها فوق سماوات الآخرين. حملت معها مشاريع التوسع، وزرعت المليشيات، وأشعلت الصراعات، وظنت أن الريش الذي تجمعه في كل بلد سيجعلها أكبر من الجغرافيا وأقوى من التاريخ.
سنوات طويلة والعرب يدفعون ثمن هذا المشروع. مدن دفعت الثمن بالحروب التي أشعلتها إيران، وشعوب مزقتها الانقسامات، وأوطان تحولت إلى ساحات نفوذ تتقاسمها البنادق والشعارات. وفي كل مرة كانت إيران تضيف ريشة جديدة إلى جناحيها، كانت المنطقة تضيف جرحًا جديدًا إلى ذاكرتها.
لكن هناك حقيقة لم تتغير منذ بداية التاريخ: الطائر الذي يسرق الريش من أعشاش الآخرين لا يصبح أقوى، بل يصبح أثقل.
لقد بنت إيران جزءًا كبيرًا من نفوذها على جماعات مسلحة ووكلاء وصراعات ممتدة، حتى بدا لها أن هذا الريش لن يسقط أبدًا. غير أن الريش المستعار لا يدوم، والنفوذ القائم على الأزمات يظل رهينة للأزمات نفسها.
اليوم نلاحظ أن ريش إيران يتساقط واحدة تلو الأخرى. فالمنطقة تغيرت، والشعوب تغيرت، والكثير من العرب الذين تحملوا سنوات طويلة من التدخلات والصراعات باتوا أكثر تمسكًا بفكرة الدولة الوطنية والاستقرار من أي وقت مضى. وما كان يُفرض بقوة الفوضى بالأمس لم يعد بالضرورة قابلًا للاستمرار غدًا.
لقد ظنت إيران أن كثرة الريش تعني الخلود، وأن تعدد الأذرع يعني الحصانة، لكنها تجاهلت درسًا بسيطًا من دروس التاريخ: كل مشروع يتجاوز حدوده يبدأ في حمل أسباب تراجعه داخله. وإذا كان الريش قد منحها مظهر القوة يومًا، فإن الريش ذاته قد يتحول إلى عبء عندما تتغير الرياح. فما أكثر القوى التي بدت عصية على التراجع، ثم اكتشفت أن نفوذها كان أكبر من قدرتها على حمايته.
إن العرب لم يكونوا يومًا عاجزين، لكنهم كانوا منشغلين بجراحهم وخلافاتهم. أما حين تتقدم إرادة الاستقرار وبناء الدول على منطق المليشيات والفوضى، فإن الريش الذي طال كثيرًا يبدأ بالتساقط ريشة بعد أخرى.
وعندها سيدرك الطائر المتخم بريشه أن كثرة الأجنحة لا تنفع إذا فقد الاتجاه، وأن النفوذ الذي بُني على التدخل في شؤون الآخرين لا يستطيع التحليق إلى الأبد.
فالتاريخ لا يرحم المتكبرين، والريش مهما طال، ومهما بدا لامعًا، لن ينقذ صاحبه عندما تحين لحظة الحساب.