بؤس النخبة.. ووطن بلا متبنين
المأساة اليمنية في عمقها ليست مجرد صراعٍ مسلّح على السلطة، ولا هي مجرد تداخلٍ سافر للمصالح الإقليمية والدولية؛ بل هي، في المقام الأول، أزمة «انتماء» تعيشها النخب السياسية التي تصدرت المشهد. وهذه هي الكارثة الحقيقية التي تنخر جسد البلاد بصمت؛ إذ أثبتت هذه النخب، على مدى سنوات الحرب والتشظي، أن أسهل ما لديها هو تغيير الولاءات وتبديل الهويات، والارتماء من أحضان دولة إلى أخرى، في سوقٍ مفتوحة للمقايضات السياسية التي لا تنتهي. والأسوأ من ذلك أن كثيراً منها فقد القدرة على التمييز بين المصلحة الوطنية والمصلحة الشخصية، حتى بات الوطن نفسه مجرد تفصيل صغير في حسابات النفوذ والمكاسب.
والمفارقة المخجلة اليوم تُرى في الساحات والمقرات والمناطق المحررة والمحاصرة على حد سواء. فقد استمرأت هذه المكونات رفع أعلام دولٍ شقيقة وصديقة، وبذلت في سبيل ذلك الغالي والنفيس، بل وأظهرت حماسةً منقطعة النظير في إنزال علمٍ ورفع آخر، تبعاً لبوصلة التمويل والدعم. لكن المفارقة تكمن في أن هذه النخب ذاتها، التي تبدو بارعة في تزيين جدرانها بألوانٍ غريبة، تبدو عاجزة تماماً، أو ربما مستحية، من الإبقاء على العلم اليمني وحيداً، شامخاً، مرفوعاً فوق أرضه. وكأن الانتماء إلى اليمن أصبح عبئاً ثقيلاً، بينما التباهي بالارتهان للخارج تحول إلى فضيلة سياسية ومصدر فخر لا يثير أدنى قدر من الخجل.
ولقد تحوّل السياسي اليمني، في كثير من النماذج الحالية، إلى وكيلٍ محليٍّ بارع؛ يملك قدرةً فائقة وذكاءً حاداً ونشاطاً لا يهدأ عندما يتعلق الأمر بتحقيق أجندات الدول الأخرى وحماية مصالحها في اليمن. يتحركون في عواصم العالم، ويخوضون المعارك الدبلوماسية والإعلامية، ويصوغون التبريرات لتمرير مشاريع غيرهم، لكنهم يصابون بالشلل التام والفشل الذريع عندما يُطلب منهم صياغة «أجندة وطنية يمنية» خالصة، تجمع الشتات وتنقذ ما تبقى من كرامة الدولة وسقفها الدستوري. وهنا تتجلى المأساة بأوضح صورها؛ إذ إن العجز ليس عجز إمكانيات، بل عجز إرادة وانعدام إيمان حقيقي بفكرة الوطن ذاته.
ومن ثم، فإن هذا الغياب الفاضح لروح الانتماء الوطني جعل من القضية اليمنية مجرد ملفٍ ثانوي على طاولات الآخرين، يُفتح ويُغلق بحسب مصالح تلك الدول لا بحسب مصلحة اليمني المطحون. وحين تغيب الفكرة الوطنية من عقول القادة، يصبح الوطن مجرد عقارٍ معروض للإيجار، وتصبح السيادة وجهة نظر خاضعة للبيع والشراء في ردهات المنافي وفنادق الشتات. والأسوأ أن المواطن البسيط يدفع وحده فاتورة هذه المساومات الثقيلة، بينما يتنقل صُنّاعها بين العواصم والموائد السياسية وكأنهم غير معنيين بحجم الخراب الذي خلفته خياراتهم.
واليمن ،اليوم، لا يعاني من قلة المال أو غياب الدعم الدولي، بل يعاني من يُتمٍ سياسي؛ من غياب النخبة التي تؤمن بأن اليمن أولاً وأخيراً. يعاني من ندرة الرجال الذين يرون في الوطن قضية وجود لا ورقة تفاوض، ويرون في الشعب مصدر الشرعية لا مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة ويُنسى عند اقتسام المكاسب. فالأوطان لا تنهار فقط تحت ضربات الحروب، بل تنهار أيضاً عندما يتخلى حراسها عنها ويتركونها نهباً للحسابات الضيقة والولاءات المستوردة.
وخلاصة القول التي يجب أن يستوعبها هؤلاء الساسة: إن التاريخ لم يرحم يوماً وكلاء المشاريع العابرة، فالوطن لا تبنيه الأيدي المرتعشة التي تخشى رفع علم بلادها، ومن يظن أن كرسيه سيثبت ببركة عاصمةٍ أخرى، سيستيقظ يوماً ليجد أنه بلا أرض، وبلا شعب، وبلا هوية؛ لأن الوطن لا يُستعار من الآخرين، ولا تُصنع في الفنادق، ولا تُمنح كهبة من الخارج، وإنما يُبنى بالإيمان الصادق والانتماء العميق والتضحية من أجل الناس. وعندما يكتب التاريخ فصوله الأخيرة، فلن يتذكر من رفع أعلام الآخرين، بل سيتذكر فقط من ظل متمسكاً بعلم وطنه حين تخلى عنه الجميع.