رغم المنح السعودية المتواصلة.. عدن تغرق في الظلام والحكومة الشرعية تواجه اتهامات بالفشل والعجز عن إنهاء معاناة المواطنين
تتزايد حالة الغضب الشعبي في العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات المحررة، مع استمرار الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، رغم المنح النفطية المتكررة المقدمة من المملكة العربية السعودية لدعم قطاع الكهرباء في اليمن، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة بشأن مصير تلك المنح وآليات توزيعها، في ظل غياب الشفافية الحكومية وتفاقم معاناة المواطنين مع ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الخدمات الأساسية.
وكانت المملكة العربية السعودية قد أعلنت مؤخراً عن تقديم منحة جديدة للحكومة اليمنية الشرعية بقيمة 150 مليون دولار لتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء في المحافظات المحررة خلال العام الجاري، بعد أشهر قليلة فقط من منحة سابقة بلغت قيمتها 81.2 مليون دولار، خُصصت لتغذية أكثر من 70 محطة كهرباء تعمل بالديزل والمازوت في مختلف المحافظات.
ورغم هذا الدعم الكبير، لا تزال مدينة عدن، التي تُعد العاصمة المؤقتة ومركز الحكومة الشرعية، تعيش أزمة كهرباء خانقة، حيث تصل ساعات الإطفاء في بعض المناطق إلى مستويات غير مسبوقة، وسط استياء شعبي متصاعد من غياب أي تحسن ملموس في الخدمة، الأمر الذي دفع كثيرين للتساؤل عن مصير المنحة السابقة التي وصلت قبل نحو أربعة أشهر، وكيف تم توزيع كميات الوقود التي كانت مخصصة لمحطات التوليد.
ويقول مواطنون في عدن إن الوعود الحكومية المتكررة بتحسن خدمة الكهرباء مع كل منحة جديدة لم تعد تقنع الشارع، في ظل استمرار الأزمة بالصورة ذاتها، بل وتفاقمها أحياناً، بينما تتبادل الجهات الرسمية التصريحات دون تقديم كشف واضح للرأي العام بشأن حجم الوقود المستلم، وآليات توزيعه، والمحطات المستفيدة منه.
ويرى مراقبون أن غياب الشفافية والمساءلة حول ملف المشتقات النفطية أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الثقة بين المواطنين والحكومة الشرعية، خصوصاً مع تكرار المنح والدعم الخارجي دون أن ينعكس ذلك على حياة السكان أو استقرار الخدمة الكهربائية.
وفي هذا السياق، أكد الصحفي أحمد كرامة أن المنحة السعودية الجديدة، رغم أهميتها، لن تُحدث فارقاً حقيقياً في أزمة الكهرباء بمدينة عدن كما يعتقد البعض، موضحاً أن المشكلة تتجاوز مسألة توفير الوقود فقط، وترتبط بعجز هيكلي كبير في القدرة التوليدية لمحطات الكهرباء.
وأشار كرامة إلى أن إجمالي القدرة التوليدية لمحطات الديزل والمازوت في عدن لا يتجاوز نحو 126 ميجاوات، باستثناء محطة الطاقة الشمسية ومحطة "بترو مسيلة" التي تعمل بالنفط الخام، في حين يبلغ متوسط التوليد الحالي قرابة 200 ميجاوات فقط، مقابل احتياج فعلي يتجاوز 620 ميجاوات، ما يكشف حجم الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والطلب.
وأوضح أن الحل الحقيقي للأزمة يتطلب توفير نحو 11 ألف برميل يومياً من النفط الخام لتشغيل محطة "بترو مسيلة" بكامل طاقتها التي تصل إلى 230 ميجاوات، مؤكداً أن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة والمنح الطارئة لن ينهي الأزمة ما لم يتم وضع استراتيجية مستدامة لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء.
وبحسب مراقبين، فإن المحافظات الأخرى المحررة قد تستفيد بصورة أفضل من المنحة السعودية الجديدة، نظراً لأن أزماتها ترتبط غالباً بنقص الوقود أكثر من ضعف القدرة التوليدية، بخلاف عدن التي تواجه انهياراً مركباً في البنية التحتية للكهرباء بعد سنوات من الإهمال والتعثر الإداري.
ويحمّل ناشطون ومسؤولون محليون الحكومة الشرعية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالعجز عن إدارة ملف الكهرباء بكفاءة، وعدم استثمار الدعم السعودي بالشكل المطلوب، إضافة إلى غياب خطط واضحة لتطوير المنظومة الكهربائية أو إنشاء محطات جديدة قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
كما يطالب مواطنون الحكومة بكشف تقارير تفصيلية للرأي العام حول كميات الوقود التي تم استلامها خلال الأشهر الماضية، والمحطات التي تم تزويدها بها، وآلية الرقابة على عملية التوزيع، في ظل مخاوف متزايدة من وجود فساد أو سوء إدارة يبدد المنح والمساعدات دون نتائج ملموسة على الأرض.
ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتفاقم معاناة السكان يوماً بعد آخر، بينما تستمر ساعات الظلام الطويلة في عدن ومدن أخرى، في مشهد يعكس عمق الأزمة الخدمية التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، رغم الدعم الإقليمي المستمر لإنقاذ قطاع الكهرباء ومنع انهياره الكامل.