دولة الكفاءة أم دولة الولاء؟
تنهض الأمم الحية بعيدًا عن الهويات الضيقة، وفي لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول يبرز سؤال جوهري يحدد مصيرها: هل يُمنح المنصب لمن يستحقه بعلمه وأهليته، أم لمن نثق به لقرابته أو مذهبه؟
إن دروس التاريخ تثبت بلا مواربة أن الكفاءة هي العقد الاجتماعي الوحيد القادر على حماية الدولة من الترهل والضعف والفساد، بينما الولاء الشخصي أو المذهبي ليس إلا وصفة سريعة لانهيار المؤسسات.
حينما تكون الجدارة فوق كل اعتبار تتحرر القيادة من عقدة الانتماء الضيق، وتزدهر الدولة ويتغير مجرى التاريخ.
ومما يُروى أن رئيس الوزراء العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، عندما أراد اختيار العالم الفيزيائي العراقي د. عبد الجبار عبد الله، وهو أحد أربعة تلاميذ في العالم تتلمذوا على يد ألبرت أينشتاين صاحب النظرية النسبية، همس أحد الوزراء في أذن الزعيم قاسم أن المرشح لرئاسة الجامعة ينتمي إلى طائفة الصابئة المندائية، مما قد يدخلنا في مشكلة مع رجال الدين المسلمين.
لكن الزعيم ردّ: "أنا أريد عالمًا لرئاسة جامعة للعلم والبحوث، ولم أختَر مفتيًا!"
وكانت الرسالة واضحة: الجامعة للعلم، والوطن للجميع، والمعيار هو العطاء الأكاديمي لا المعتقد الديني.
وفي الهند، التي تُعد أكبر ديمقراطية للتنوع في العالم، وفي بلد يضم أغلبية هندوسية، أتذكر حين كنت أستاذًا زائرًا في كلية السياسة الدولية بجامعة جواهر لال نهرو في دلهي، دعيت مع أساتذة لحضور حفل تنصيب رئيس الجمهورية، عالم الصواريخ الذرية البروفيسور زين العابدين عبد الكلام، العالم المسلم الملقب بـ"أبو القنبلة النووية الهندية". أذكر ذلك المشهد الراسخ في ذاكرتي حتى اليوم؛ إذ وقف له أعضاء البرلمان الهندي بانحناء وتصفيق مدوٍ، بينما رئيس البرلمان يخاطبه قائلاً: "يا سيدي الرئيس، لو أن الهند كلها وجدت لك تكريمًا وتشريفًا أكبر من هذا لما تركناه، فأنت جعلت أمتنا عظيمة!"
علماً أن منصب الرئيس، رغم كِبره، يُعد منصبًا تشريفيًا؛ إذ يملك حق العفو عن السجناء، لكنه لا يملك صلاحية توقيف أي شخص.
لقد اختارته الهند، التي قال عنها نهرو: "نحن لسنا أمة واحدة، نحن أمم في دولة"، واختارته لعبقريته وعلمه وإخلاصه ونزاهته، لا لطائفته أو عِرقه، مما عزز من وحدة النسيج الهندي وأثبت أن القوة الناعمة هي التي تصهر الخلافات.
ولا أنسى في هذا الإطار سنغافورة، معجزة لي كوان يو، خريج جامعة كامبريدج، الذي حول جزيرة صغيرة فقيرة إلى عملاق اقتصادي عالمي عبر مبدأ واحد سماه (Meritocracy) أو "حكم الجدارة"، فلم يُعيَّن وزيرًا لأنه من عرقية معينة، بل فقط لأن نتائجه مبهرة، مما جعل سنغافورة نموذجًا عالميًا للنزاهة ونظافة اليد وكفاءة الإدارة.
وفي رواندا، التي خسرت ملايين من أبنائها في حرب أهلية عرقية، والتي أُطلق عليها "دولة النهوض من الرماد" بعد الإبادة الجماعية، منع الرئيس الرواندي بول كاغامي سؤال العرق (هوتو أو توتسي) عند تولي الوظيفة العمومية، وجعل معايير الكفاءة والتأهيل والخبرة والنتائج هي الأساس الوحيد للترقية، مما أسهم في تحويل رواندا إلى نمر اقتصادي إفريقي يحقق معدلات نمو وتطورًا في الخدمات.
وربما يبقى السؤال: لماذا الكفاءة والجدارة هي الحل؟
لأن الاعتماد على الموالين بدلًا من المؤهلين يخلق بيئة طاردة للعقول؛ فالشخص الكفوء عادة يمتلك الشجاعة لقول "لا" عندما يرى خطأً فنيًا أو إداريًا، بينما الموالي يسعى لإرضاء المركز الأعلى حتى لو غرق القارب بمن فيه.
المنصب العمومي أمانة ومسؤولية قبل أن يكون وجاهة سياسية، والنهضة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المستشار هو الأعلم، لا الأقرب، وعندما تُبنى الدولة على معيار واحد هو الكفاءة.
إن القوة الحقيقية للدولة لا تكمن في صبغة دينية أو عرقية موحدة لمسؤوليها، بل في قدرتها على استيعاب أفضل عقولها تحت سقف واحد ومسطرة واحدة، لأن عالم اليوم لم يعد يحترم الدول لطوائفها أو مذاهبها، بل لجودة تعليمها، وقوة اقتصادها، وعدالة مؤسساتها.
* كاتب وأكاديمي من العراق