المحارق المفتوحة وأسواق الرقيق البشري .. صرخة صنعاء في وجه التجنيد الإجباري
تواصل ميليشيا الحوثي خطواتها التصعيدية المحمومة لتفريغ العاصمة المختطفة صنعاء من طاقاتها الشبابية والعمالية، متجاوزة كل الأعراف الإنسانية عبر تحويل الأحياء الشعبية إلى منصات صيد بشري.
وفي ظل عزوف الشارع المطبق ومواجهة عقال الحارات لحالة استياء وعصيان مجتمعي واسع، رفعت الجماعة سقف مكافأة "الرأس الواحد" إلى أربعين ألف ريال، لتدخل العاصمة في مرحلة حرجة من الاحتقان والتوتر الأسري والمجتمعي.
في هذا الاستطلاع الصحفي، نسلط الضوء على تداعيات هذا الاستهداف المنهجي على الاستقرار المجتمعي، ونبحث في أهم الحلول والتدابير الأسرية الأنجع لحماية الشباب والفتية من شباك التجنيد القسري.
تفكيك النسيج الاجتماعي وتجريف الأحياء
أحمد محسن (شخصية سياسية وإدارية ومسؤول محلي سابق في العاصمة) قال: "إن الانعكاس الأخطَر لاستهداف الشباب والعمال يكمن في التفكيك المتعمد للنسيج المجتمعي وإحلال ثقافة الخوف والريبة محل روابط الجيرة والتضامن. عندما تتحول الأحياء السكنية بفعل توجيهات الميليشيا إلى ثكنات مطاردة تُدار بمنطق 'سماسرة الرؤوس' ومضاعفة العمولات المالية، فإن الاستقرار المجتمعي يتداعى كلياً. الحل الأنجع سياسياً ومجتمعياً يبدأ برفض جماعي، يتبناه عقال الحارات الشرفاء برفض الانصياع لهذه التوجيهات الإجرامية، وتحويل عقلاء الحارات إلى دروع حماية لأبناء حاراتهم لا مخبرين للميليشيا."
إرهاب لقمة العيش وقتل روح المبادرة
صالح عوض المقطري (قيادي كشفي وشبابي في صنعاء) قال:
"استهداف أصحاب الدراجات النارية والعمالة الهامشية يعنى باختصار قطع أرزاق العائلات في مقتلها، فالشباب اليوم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التعرض للملاحقة وسحبهم للموت، أو ملازمة البيوت والوقوع في براثن الجوع والبطالة. هذا الوضع يولد احتقانًا غير معتاد قد ينفجر في أي لحظة. وحلّنا الشبابي والمجتمعي يتركز في تكوين 'لجان تكافل أسرية مصغرة' في كل حي، تتولى تأمين حماية جماعية للشباب العاملين، وتنظيم حركة تنقلاتهم لقطع الطريق على عناصر الاستقطاب والترهيب المسائي."
الرعب المنزلي وخيار "التهجير الداخلي"
د. أروى عبدالباقي (أكاديمية وناشطة مجتمعية) قالت:
"الأم في صنعاء تعيش جحيماً حقيقياً، حيث تحولت المنازل إلى سجون اختيارية خوفاً من غدر الشوارع وشباك المغررين. إن انعكاس ذلك كارثي على الصحة النفسية للأطفال والشباب، ويخلق جيلاً يعاني من الصدمات والهلع المستمر. أما عن الحلول الأسرية الأنجع، فقد باتت العائلات تلجأ مضطرة لخيار 'التهجير الداخلي' نحو القرى والأرياف النائية بعيداً عن مخالب التجنيد، فضلاً عن تعزيز الرقابة اللصيقة على اتصالات الأبناء وحظر خروجهم المنفرد بعد العصر."
سقوط الوظيفة الأمنية وتحويل العقال إلى عصابات جباية
العقيد متقاعد عبدالكريم النهمي (خبير عسكري وأمني) قال:
"من الناحية الأمنية، ما تقوم به الميليشيا هو تدمير لما تبقى من منظومة الأمن المجتمعي، إذ يُصار إلى استبدال دور حراسة الأحياء بدور 'صيادي البشر' مقابل حفنة من العملة المتهالكة. هذا يهدد بانهيار كامل للأمن الداخلي وتفشي الجريمة المنظمة. الحل الأمني والشعبي يكمن في توثيق فضائح الانتهاكات وأسماء المتورطين من عقال الحارات والمشرفين، وفضحهم علناً، ليعلم الجميع أن دماء الأبناء ليست سلعة تُباع في أسواق النخاسة الحوثية."
شلل الأسواق وتجفيف منابع الدخل اليومي
محمد جابر الشميري (رجل أعمال وتاجر في أمانة العاصمة) قال: "انعكاسات هذه الحملات الاقتصادية مدمرة؛ فحركة الأسواق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحركة الشبان والعمالة البسيطة. عندما يختفي هؤلاء خوفاً من الاعتقال، تصاب شرايين الاقتصاد المحلي بالشلل التام وتغلق آلاف الأسر أبواب الرزق في وجوهها.
على الصعيد الأسري والتجاري، يجب التكافل المالي بين التجار والأسر المقتدرة لدعم العائلات المستهدفة وتوفير بدائل عمل داخلية وآمنة للشباب تقيهم شر الاحتياج الذي تستغله الميليشيا للترغيب."
تجريف الهوية الوطنية وهجرة الطاقات
جميل طاهر هزاع (كاتب ومؤرخ يمني) قال: "نحن أمام عملية تجريف ثقافي وهوياتي ممنهج تستهدف عقول الشباب والناشئة لسلخهم عن مجتمعهم وزجّهم في معارك عبثية. إن تهجير العائلات لأبنائها نحو الريف هو في طياته 'مقاومة صامتة' ورفض حضاري وثقافي للمشروع الحوثي. الحل يكمن في التمسك بالوعي العائلي، وتفعيل المجالس والثقافات الأسرية المضادة التي تُحصّن الأبناء ضد خرافات التغبير والتعبئة الطائفية المغشوشة."
الختام:
تتفق الشهادات الميدانية على أن رهان الميليشيا على لغة المال والترهيب قد اصطدم بوعي مجتمعي متماسك، غير أن حماية الشباب تتطلب استنهاضاً أوسع للتكافل الأسري والمحلي للوقوف سداً منيعاً أمام هذه المخططات الإجرامية.