مفهوم الشرق الأوسط الجديد: جذوره التاريخية، تحولاته، وضرورة الحوار الشامل

منذ 56 دقيقة
مشاركة الخبر:

مفهوم الشرق الأوسط هو مفهوم قديم حقاً؛ فهو يبدأ منذ أوائل القرن العشرين باهتمام متزايد بالشرق، لكن جذوره وحقيقته تعود إلى أقدم بكثير من ذلك بكثير.
فرأيي يعود بمفهوم الشرق إلى عام 1798، عندما أراد نابليون لأول مرة إعادة توجيه جيوشه نحو منطقة أخرى، بالذهاب جنوباً، والذهاب شرقاً، والوصول إلى مصر وبلاد الشام. في ذلك الوقت، أصبحت تلك المنطقة هدفاً استراتيجياً وجغرافياً، وبرز للأوروبيين فكراً وأهمية بالغة تفيد بأن هذه المنطقة مهمة للغاية. حقاً، ماذا فعل نابليون في ذلك الوقت وماذا تبين؟ فتح الباب أمام هيمنة أوروبية على تلك المنطقة، لكي يصبح الشرق منطقة صراع أوروبي وتدخل مستمر فيها.
وحدد خارطة طريق أخرى تظهر مدى أهمية مصر وبلاد الشام. مفهوم الشام (بلاد الشام) كان يضم في ذلك الوقت لبنان، فلسطين، وسوريا. ويوضح مدى استراتيجية تلك المنطقة وموقعها الفريد بين الدول. من هنا بدأ اهتمام غربي فعلي بمنطقة الشرق الأوسط من الناحية العلمية والسياسية.
وفي ذلك الوقت وُضع الأساس لمفهوم آخر، وهو الانتقال من مجرد "منطقة الشرق" إلى مفهوم "الشرق الأوسط". هذا المفهوم بدأ في أوائل القرن العشرين، وتحديداً من خلال الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية. كانت أمريكا تتابع الوضع من بعيد، وضع الشرق الأوسط، لكن المفهوم أخذ أبعاداً أعمق. أما الإنجليز فقد كانوا حريصين على تطوير هذه المنطقة.
ثم جاءت مرحلة أخرى، وهي مرحلة التنقيب عن النفط والاستكشاف في هذه المنطقة والتي أظهرت أهمية فائقة. على سبيل المثال، في العراق من عام 1902 إلى 1907، مُنح أول امتياز للتنقيب للشركات لاستخراج النفط. وفي إيران تم اكتشاف النفط عام 1908، وفي البحرين عام 1932، وفي العراق عام 1927، وفي السعودية عام 1938. في ذلك الوقت، كانت شركة النفط التركية مهتمة بمنطقة الشرق الأوسط قبل شركة النفط البريطانية (BP)، وأولت المنطقة اهتماماً بالغاً. وبعد أن اندلعت الحرب وخرج الأتراك، جاءت شركة "بريتش بتروليوم" (BP) وتوسع حضورها بشكل كبير.
دائماً ما يقول الغرب إنهم جاؤوا لإعادة تشكيل الشرق، وأن هذه المنطقة يجب أن تدخل مرحلة الاستعمار والاحتلال. كان أهل المنطقة يقولون إن هؤلاء جاؤوا لأجل خيراتنا؛ النفط، الأشجار، المياه، المعادن، الثروات البشرية، وعقولنا. أما الغرب فكان لديه مفهوم آخر، حيث كان يقول: "لا، نحن جئنا لإنقاذ هؤلاء، لجلَب الحضارة (تحضيرهم) ونشر مفهوم التحديث". أي أن "نشر الحضارة" شيء يعارض الاستعمار كلياً من وجهة نظرهم، لكن مفهومهما الفعلي كان مختلفاً.
وفي المرحلة الأخيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وبصورة متكررة، ظهر مفهوم "الشرق الأوسط الجديد". المرة الأولى التي طرح فيها هذا المفهوم بوضوح كانت في كتابات كوندوليزا رايس قبل أن تصبح وزيرة وقبل حرب العراق عام 2003، حيث تحدثت عن مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" أو الجديد، وعن كيفية إعادة ترتيب شؤون الشرق. في الواقع، في زمن نفوذ الإنجليز والفرنسيين في الشرق، كانوا يقولون: "نحن ذاهبون لإعادة ترتيب شؤون الشرق". وبعدهم جاء الأمريكيون ليفعلوا الأمر ذاته.
برأيي، إن كل هذه المحاولات تثبت أن إعادة ترتيب المنطقة لا تنجح أبداً إن لم تكن بإرادة أهلها أنفسهم. حرب إعادة الترتيب لا يمكن أن تنجح ما لم يقم شعوب المنطقة بأنفسهم بترتيب أوضاعهم.
إن لم تكن الشعوب الرئيسية التي تعيش في المنطقة على علاقة جيدة قائمة على القبول المتبادل، ولم تتقبل الأديان الرئيسية بعضها البعض، فلن تستطيع هذه المفاهيم وهذه الدول أن تنهض من جديد. بعد عام 2003، ثبت جلياً أن تصدير الفكر الديمقراطي عبر الصراع الفكري لم يحقق نجاحاً، كما أن القوة العسكرية لم تحقق نجاحاً أيضاً.
ففي مرحلة ما، لم يستطع 172 ألف جندي أمريكي في العراق تحقيق الاستقرار، ورغم إنفاق تريليونات الدولارات، لم يتمكنوا من جلب الاستقرار إلى العراق، ما لم يقم كل بلد بحل مشاكله بنفسه وتقبل بعضهم البعض.
يجب على القوميات الرئيسية في المنطقة أن تتقبل بعضها البعض: الكرد، العرب، الترك، والفرس. وكذلك الأديان الرئيسية: المسيحية، اليهودية، الإسلام، إضافة إلى بقية المكونات؛ لا يمكنك أن ترفض الآخر وتريد في الوقت ذاته الاستقرار والسلام والأمان في المنطقة.
لقد تكبدت أمريكا خسائر فادحة للغاية، حيث وصل عدد الضحايا إلى أكثر من 20 ألف شخص (من العسكريين والمشاركين). أنا شخصياً كنت ممن تمنوا خلاص البلاد لأسباب بعيدة عن أوهام أخرى، بل لنخلص أنفسنا من صدام حسين. وبدون أمريكا، لم تكن أي قوة أخرى قادرة على فعل ذلك بمفردها في ذلك الوقت.
ولكن، إذا جئت اليوم لتجري حساباتك وتقرر ما خسره وما ربحه الأمريكان، فالحقيقة أن العراقيين -والكرد أيضاً- ليسوا بعيدي النظر ولا يمتلكون النظرة السليمة تجاه بعضهم البعض. لو أتيت اليوم وبشتى المعايير وتقول إن وضع العراق كان أفضل زمن صدام، فهذا غير صحيح؛ فالعراق اليوم، بكل عيوبه ونواقصه، أفضل بكثير من ذلك الوضع الذي عاشه زمن صدام حسين، بلا شك ومن كل النواحي باستثناء ناحية الفساد. وإن كان الفساد قد أصبح ظاهرة عالمية في دول اليوم.
كل هذه الأمور تجعلني أقول: إننا بحاجة ماسة إلى حوار جاد بين الشعوب الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط، وبين دياناتها الرئيسية، وأن نتعلم من أخطاء ومشاكل الماضي وتاريخنا، لكي نتمكن من التفكير في بناء "شرق أوسط جديد" من الداخل، بعيداً عن تصدير الأفكار وفرضها من الخارج على الشرق الأوسط، والتي أثبتت فشلها منذ عهد نابليون، والإنجليز، والفرنسيين، والإيطاليين، وحتى الأمريكيين، وسواء بتصدير الأحزاب التي ظهرت لاحقاً أو بأي فكر أُحادي.
إن فكر الماركسية حتى يومنا هذا لا زالت آثاره الضارة باقية في العديد من الدول التي تبنته، وكذلك فكر القومية العربية الذي أراد فرض سيطرته على المنطقة ولم ينجح، وتصدير الثورة الشيعية الذي فُرض في بعض الدول وتسبب في تخريب وانهيار خمس دول في المنطقة عبر الديكتاتورية وأساليب الكوارث. فرض القومية أياً كانت كان كارثة ثانية، وتصدير الثورة كان كارثة ثالثة، أما الفكر الماركسي وتسطيح الوعي في الدول فكان جذراً لكارثة أخرى، وكذلك الفكر القومي الناصري في بعض الأماكن والذي يعد كارثة أخرى أيضاً.
ما لم نقبل بحوار جاد وحقيقي بين القوميات والديانات الرئيسية في المنطقة، وما لم يكن هناك قبول متبادل لكل الأديان والمذاهب، فلن نخرج من دائرة الكوارث؛ بل سننتقل من كارثة إلى كارثة، ومن حرب إلى حرب، وسندمر مستقبل أجيالنا القادمة.

باحث واكاديمي