عدن بين نار الصيف وظلام الكهرباء.. والحكومة غائبة عن معاناة السكان
لم تعد أزمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن مجرد خلل خدمي عابر أو مشكلة موسمية تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا وتأثيرًا في حياة السكان، خاصة مع تزامنها هذا العام مع موجة حر غير مسبوقة تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية.
وفي مدينة تعيش على إيقاع انقطاعات كهربائية تصل إلى نحو عشرين ساعة يوميًا، بات المواطن العدني يخوض معركة يومية مفتوحة ضد الحر والعطش والإرهاق، في مشهد يعكس حجم التدهور الذي وصلت إليه الخدمات الأساسية.
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود الانزعاج الناتج عن انقطاع التيار الكهربائي، لتلامس بشكل مباشر صحة الإنسان وسلامته. فمع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، تصبح المنازل أشبه بأفران مغلقة، فيما تغيب وسائل التبريد لساعات طويلة، الأمر الذي أدى إلى تسجيل حالات إغماء وإجهاد حراري بين السكان، وسط مخاوف من ارتفاع أعداد المتضررين، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والمرضى الذين تمثل هذه الظروف تهديدًا حقيقيًا لحياتهم.
وتكشف المشاهد اليومية في أحياء المدينة حجم المعاناة المتفاقمة، إذ تضطر مئات الأسر إلى مغادرة منازلها ليلًا والاحتماء بأسطح المباني أو الساحات والأماكن المفتوحة هربًا من الاختناق الحراري داخل الغرف المغلقة.
وبينما يبحث المواطنون عن نسمة هواء تخفف وطأة الحر، تزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تداعيات صحية واجتماعية أوسع خلال الأسابيع المقبلة.
اقتصاديًا، لا تقل الخسائر فداحة عن المعاناة الإنسانية. فالانقطاعات الطويلة للكهرباء تشل جزءًا كبيرًا من الحركة التجارية والخدمية، وتفرض أعباءً إضافية على أصحاب المحال والمنشآت الصغيرة الذين يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما إيقاف أعمالهم، أو تحمل تكاليف تشغيل مرتفعة عبر المولدات الخاصة. كما تتأثر المخابز والورش والمنشآت الخدمية بشكل مباشر، فيما تواجه الأسر صعوبات متزايدة في حفظ المواد الغذائية وتشغيل الأجهزة المنزلية الأساسية.
أما القطاع الصحي، فيقف في مواجهة تحدٍ مضاعف. فالمرافق الطبية تعتمد بشكل كبير على المولدات لضمان استمرار خدماتها، ما يرفع من تكاليف التشغيل ويستنزف مواردها المحدودة. وفي ظل هذه الظروف، تصبح قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان مرتبطة بتوفير الوقود والتمويل، وليس فقط بالكفاءة الطبية.
ورغم اتساع دائرة المعاناة، لا يزال المواطنون ينظرون بقلق إلى غياب حلول حكومية جذرية للأزمة. فالمطالبات الشعبية المتكررة بإصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمات لم تثمر، حتى الآن، عن إجراءات ملموسة قادرة على إنهاء حالة التدهور المستمرة. ويعزز هذا الواقع شعورًا متزايدًا لدى الشارع بأن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد مشكلة فنية، بل أصبحت مؤشرًا واضحًا على اختلالات إدارية وخدمية أعمق.
إن ما تشهده عدن اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة كهرباء أو موجة حر عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة السلطات على الاستجابة لاحتياجات المواطنين الأساسية. فحين تتحول الكهرباء إلى حلم يومي، ويصبح الحصول على بيئة آمنة وصحية تحديًا مستمرًا، فإن القضية تتجاوز الخدمات لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطرح أسئلة ملحة حول المسؤولية والقدرة على إدارة الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث إنسانية أكثر اتساعًا.