دكتور بالتقسيط المريح!

منذ 49 دقيقة
مشاركة الخبر:

قرأتُ، كما قرأ غيري، عن تلك الموجة العاتية من "الدكاترة" الجدد الذين نبتوا في أرضنا كما ينبت الفطر بعد المطر، لكنه فطر مسموم يغتال قيمة العلم وهيبة العلماء. قديماً، كان لقب "دكتور" يعني أن صاحبه قد سهر الليالي، وأفنى زهرة شبابه بين المراجع والمختبرات، ليقدم للبشرية حرفاً جديداً أو فكرة مبتكرة، 

أما اليوم، فقد أصبح اللقب يُباع ويُشترى في "سوبر ماركت" الأكاديميا، تحت لافتة براقة اسمها "الدكتوراة المهنية". إنني لا أتجنى على أحد، فالمشهد أمامنا لا يحتاج إلى مجهر؛ حفلة صاخبة، وروب تخرج فضفاض، وقبعة تُلقى في الهواء، ومبلغ مالي يُدفع خلف الأبواب المغلقة أو تحت بنود "المصروفات الإدارية"، وفي الصباح التالي يستيقظ "الزبون" وقد أصبح "سعادة الدكتور"، ليزاحم أهل العلم الحقيقيين في صدارة المجالس. 

هذه التجارة الرخيصة حوّلت المعرفة من رسالة سامية إلى "بيزنس" مربح، حيث المعايير العلمية مرنة إلى حد الميوعة، والجهد الأكاديمي يكاد يكون منعدماً، والمضمون عبارة عن حشو من الكلمات المنمقة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. والمفارقة المضحكة المبكية أن هؤلاء يدركون قبل غيرهم أنهم لا يملكون من العلم إلا قشوره، لكنهم يبحثون عن "الوجاهة الاجتماعية" واختصار سنوات الكد والتدرج الوظيفي بضربة "فيزا كارد" واحدة.

 الأخطر من ذلك كله هو تسلل هؤلاء "المستدكترين" إلى مفاصل المؤسسات والوزارات بصفة خبراء ومستشارين، ليتخذوا قرارات مصيرية بعقول خاوية، فتهبط الجودة، وتتخبط الرؤى، ويصبح الحل والربط بيد من اشترى لقبه كما يشتري ساعة "روليكس" مقلدة. إن المجتمع الذي يسوي بين من أفنى عمره باحثاً وبين من اشترى اللقب بماله، هو مجتمع يغتال مستقبله بيده، ويحوّل العلم من منارة تهدي التائهين إلى سلعة تُعرض في "الأوكازيون" لمن يدفع أكثر، والنتيجة هي "اقتصاد الوجاهة" الذي يلمع من الخارج ولكنه ينخر في عظام الكفاءة والنزاهة حتى يسقط الهيكل كله فوق رؤوسنا.