اليمن.. بركان تحت الرماد وشرعية تعيش خارج الزمن
من الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي يقع فيها بعض المحللين والسياسيين، هي الركون إلى فكرة أن اليمنيين في شمال البلاد قد استسلموا تماماً لسلطة "الأمر الواقع" الحوثية. هناك انطباع مضلل، وربما مريح للبعض، يصور هؤلاء السكان وكأنهم باتوا جزءاً من الماكينة الانقلابية أو أنهم رضخوا بشكل مطلق لمشروع "الولاية" القادم من خلف الحدود.
الحقيقة التي تكشفها التفاصيل القادمة من الداخل هي العكس تماماً. اليمنيون هناك لم يختاروا الحوثي، بل فُرض عليهم بقوة السلاح، وهم اليوم يعيشون مع هذه الجماعة "تعايش السجين مع سجان" غليظ، يراقب حركاتهم وسكناتهم. هذا الاحتكاك اليومي والمباشر جعل المواطن العادي يعرف الحوثيين أكثر مما تعرفهم "قوى الشرعية" في مكاتبها الوارفة؛ عرفوا زيف شعاراتهم، وفساد قياداتهم، وحقيقة مشروعهم الذي لا يرى في اليمن إلا مجرد "ساحة" لخدمة أجندة إيران التخريبية في المنطقة.
المقاومة الكامنة.. بانتظار "ساعة الصفر"
في كل زقاق في صنعاء، وفي كل قرية في حجة، وفي كل حي في إب، توجد "مقاومة شرسة". ليست بالضرورة مقاومة تحمل السلاح الآن، بل هي مقاومة نفسية وفكرية ترفض الاندماج في هذا المشروع الغريب عن هوية اليمن. هؤلاء الناس لا ينتظرون معجزات، بل ينتظرون "فرصة سانحة" و"تحركاً جاداً" من الخصم الرئيسي للانقلاب.
المشكلة ليست في غياب الرفض الشعبي، فالحوثيون أنفسهم يدركون أنهم يجلسون فوق فوهة بركان، ولهذا يلجأون للقمع المفرط. المشكلة تكمن في أن هذه المقاومة الشعبية لا يمكنها إنجاز التغيير بمفردها ما لم تجد خلفها "شرعية" تتحرك بجدية على الأرض، وليس فقط عبر البيانات الصحفية. اليمنيون ينتظرون هذا التحرك منذ أكثر من عشر سنوات، والانتظار حين يطول، يولد خيبات قد تكون كلفتها باهظة.
الشرعية.. والقطيعة غير المبررة
لا يختلف اثنان على أن "الشرعية"، بكل ما عليها من ملاحظات ومآخذ، تظل هي المظلة والملجأ الوحيد لليمنيين. شعبيتها في الداخل حقيقية، لا لأنها مثالية، بل لأن البديل الحوثي كارثي بكل المقاييس. المفارقة هنا هي أن الشرعية نفسها هي التي تساهم، بقصد أو بغير قصد، في خلق "قطيعة" مع حاضنتها في الداخل.
"الداخل اليمني لديه استعداد لمنح الشرعية كل شيء، لكنه لم يلمس منها حتى الآن نية صادقة لتقوية هذه العلاقة المصيرية".
إن المراهنة على الخارج وحدها لن تنهي الانقلاب. إنهاء المشروع الحوثي يبدأ من استثمار هذا الغليان الداخلي، وتحويل الرفض الشعبي إلى فعل سياسي وعسكري منظم. الحوثي ليس قوياً بذاته، بل هو قوي بـ "الفراغ" الذي تركته الشرعية خلفها. فهل تستوعب قوى الشرعية وحلفاؤها أن مفتاح صنعاء موجود في قلوب وعقول هؤلاء المحاصرين في الداخل، وليس فقط في أروقة المنظمات الدولية؟