اليمن بين الدولة المختطفة ومغامرات المليشيا

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في كل مرحلة يعتقد اليمنيون أن بلادهم وصلت إلى قاع الفوضى التي صنعتها مليشيا الحوثي الارهابية التابعه لايران، تأتي المليشيا بمغامرة جديدة تؤكد أن مشروعها الحقيقي لم يكن يومًا بناء دولة، بل إدارة حرب مفتوحة لا تنتهي. فالمليشيات، بطبيعتها، لا تعيش في ظل الاستقرار، بل تزدهر في الفوضى وتقتات على الأزمات.

التقارير الإعلامية التي تحدثت أخيرًا عن استعدادات حوثية لإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل ليست مجرد تفصيل عسكري في صراع إقليمي متوتر، بل مؤشر سياسي واضح على طبيعة الدور الذي تلعبه هذه المليشيا. فالقيادة الحوثية لا تنظر إلى اليمن باعتباره وطنًا يحتاج إلى إعادة إعمار ومؤسسات مستقرة، بل تعتبره منصة جيوسياسية يمكن استخدامها لخدمة صراعات أكبر من حجمه وإمكاناته.

ومنذ انقلاب الحوثيين على الدولة عام 2014، لم يعد الأمر مجرد خلاف داخلي بين قوى سياسية متنافسة. فقد اختارت المليشيا بوضوح أن تنخرط في مشروع إقليمي تقوده إيران، مشروع يقوم على بناء شبكة من الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران سياسيًا وعسكريًا. الفكرة في جوهرها بسيطة وخطيرة: تحويل بعض الدول العربية إلى ساحات نفوذ عبر مليشيات تدين بالولاء العقائدي والسياسي لإيران قبل أن تدين بالولاء لأوطانها.

لهذا لم يكن مفاجئًا أن تتحول صنعاء، العاصمة التاريخية لليمن، إلى جزء من هذه الشبكة الممتدة من بيروت إلى بغداد ودمشق. فالمشهد لم يعد يقتصر على مليشيا محلية تحمل السلاح، بل أصبح جزءًا من منظومة إقليمية تستخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة كأدوات ضغط في صراعات أكبر.

الخطاب الحوثي يحاول تبرير هذه التحركات تحت شعار نصرة فلسطين أو مواجهة إسرائيل، لكن الواقع مختلف تمامًا. فالميليشيا التي أشعلت حربًا مدمرة داخل اليمن، وأسهمت في تدمير مؤسسات الدولة وتعميق الكارثة الإنسانية، لا يمكن أن تقدم نفسها فجأة كقوة دفاع عن قضايا المنطقة. ما يحدث في الحقيقة هو توسيع متعمد لدائرة التوتر بين ايران و المجتمع الدولي، وفتح جبهات جديدة في البحر الأحمر وما حوله خدمة لايران.

وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها مليشيا مسلحة إلى مثل هذا السلوك. فالتجارب في المنطقة أظهرت أن المليشيات حين تضيق بها الأزمات الداخلية تلجأ غالبًا إلى تصدير التوتر نحو الخارج. إنها محاولة للهروب من أزمات الحكم والفشل الاقتصادي عبر تصعيد عسكري يخلق عدوًا خارجيًا.

لكن المشكلة الكبرى أن ثمن هذه المغامرات لا تدفعه القيادات الحوثية ولا داعموها في الخارج، بل يدفعه اليمن و الشعب أولًا ثم المنطقة بأكملها. فاليمن الذي كان يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل لإعادة بناء دولته واقتصاده، أصبح رهينة لمليشيا مسلحة تتصرف وكأنها لاعب إقليمي كبير.

هذه المليشيا لا تملك اقتصادًا مستقرًا ولا مؤسسات دولة حقيقية، لكنها تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تُستخدم لتهديد الملاحة الدولية أو ضرب المنشآت النفطية في دول الجوار. وهنا يتحول الخطر من أزمة يمنية داخلية إلى تهديد مباشر لأمن المنطقة وللاقتصاد العالمي.

فالبحر الأحمر ليس ممرًا عاديًا في الجغرافيا السياسية، بل أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وأي تهديد للملاحة فيه يعني تهديدًا لسلاسل الإمداد الدولية وأسواق الطاقة. لذلك فإن الهجمات التي تستهدف السفن أو المنشآت النفطية لا تضر بدولة واحدة، بل تنعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.

أما الحديث عن احتمال تنسيق هذه الهجمات مع إيران و«حزب الله» فلا يبدو مفاجئًا لمن يتابع طبيعة العلاقات بين هذه الأطراف. فالحوثيون لم يعودوا مجرد حركة تمرد محلية، بل جزء من شبكة عسكرية وسياسية أوسع تعمل وفق حسابات إقليمية معقدة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يمكن أن تقود هذه المغامرات؟

 فالتاريخ يعلمنا أن المليشيات تستطيع إشعال الحروب بسهولة، لكنها غالبًا تعجز عن التحكم في نهاياتها. وكلما توسعت دائرة الصراع، زادت احتمالات الانفجار الإقليمي الذي قد يتجاوز قدرة هذه الجماعات على احتوائه.

اليمن اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يستعيد مشروع الدولة الوطنية التي اختطفتها المليشيا، أو يستمر في الانحدار نحو نموذج الدولة الفاشلة التي تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية.

وفي كل الأحوال تبقى الحقيقة واضحة: مليشيا الحوثي لم تجلب لليمن سوى الخراب والانقسام، ولم تقدم للمنطقة سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. ولذلك فإن معركة اليمنيين الحقيقية ليست فقط ضد انقلاب مسلح، بل ضد فكرة أخطر بكثير، وهي أن المليشيا يمكن أن تحل محل الدولة.

والتاريخ، في النهاية، لا يمنح الشرعية إلا للدول، أما المليشيات فمصيرها دائمًا أن تسقط تحت ثقل الفوضى التي صنعتها بنفسها.