بين صورة خامنئي ودموع الأمهات… أي يمن يريده الحوثيون؟
في العاصمة المختطفة صنعاء اليوم مشهدان متقابلان يلخصان مأساة اليمن أكثر من أي تقرير سياسي أو اقتصادي.
الأول: لوحات إعلانية ضخمة ترتفع في الشوارع تحمل صورة المرشد الإيراني علي خامنئي، أنفقت عليها مليشيا الحوثي الإرهابية ملايين الريالات.
والثاني: نساء يمنيات يفترشن الأرصفة، وأمامهن أطفال جائعون ينتظرون من يمد لهم يد العون والمساعدة.
المفارقة موجعة، بل فاضحة.
اليمنيون الذين حُرموا من رواتبهم منذ سنوات، والذين يواجهون موجة فقر غير مسبوقة، لا يرون في شوارع عاصمتهم المختطفة سوى صور قتلة. لا مستشفيات تُبنى، ولا مدارس تُرمم، ولا برامج إغاثة حقيقية، بل دعاية سياسية مكلفة لتمجيد نظام لا ينتمي إلى اليمن لا تاريخاً ولا هوية.
تزعم مليشيا الحوثي أنها تقود “ثورة”، لكن الثورات الحقيقية تُعطي شعوبها الحياة والكرامة، لا تدفعهم إلى التسول.
الثورة الحقيقية تعيد للمواطنين حقوقهم وكرامتهم، بينما ما يشهده سكان المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا الارهابية اليوم هو عكس ذلك تماما: كرامة تُسحق تحت وطأة قسوة الحوثي، والجبايات، والفقر.
منذ انقلاب الحوثيين على الدولة في العام 2014، دخل اليمن في نفق طويل من الأزمات. الرواتب توقفت، الاقتصاد انهار، ومؤسسات الدولة تحولت إلى أدوات بيد الميليشيا. ومع ذلك، نجد المال متوافراً عندما يتعلق الأمر بالدعاية السياسية أو بإظهار الولاء لإيران.
ليست المشكلة في لوحة إعلانية هنا أو صورة هناك، بل في الرسالة التي تحملها. الرسالة تقول إن ولاء المليشيا ليس لليمنيين الذين يعانون، بل لمشروع سياسي إقليمي تقوده طهران.
إيران بدورها لم تخفِ يوماً رغبتها في توسيع نفوذها في المنطقة عبر الميليشيات. دعمت الحوثيين بالسلاح والخبراء والمال، وكانت النتيجة حرباً دمّرت اليمن وأفقرت شعبه. أما المواطن اليمني، فقد وجد نفسه ضحية لصراع أكبر منه.
أكثر ما يؤلم في هذا المشهد ليس فقط الفقر، فالفقر يمكن أن يحدث في أي بلد، بل الإصرار على تجاهل معاناة الناس. عندما تنفق سلطة ما الملايين على تمجيد قائد أجنبي بينما نساء بلدها يتسولن الخبز في الشوارع، فإننا أمام خلل أخلاقي قبل أن يكون سياسياً.
اليمنيون لا يريدون صوراً على الجدران، بل دولة تحميهم. لا يريدون شعارات أيديولوجية، بل خبزاً ومدارس وأمناً.
وفي النهاية، لن تبقى هذه اللوحات طويلاً. الجدران تتغير، والشعارات تسقط، لكن ذاكرة الشعوب لا تنسى بسهولة. واليمنيون سيتذكرون جيداً من جعل عاصمتهم مكاناً تُرفع فيه صور الزعماء الأجانب… بينما أطفالهم يبحثون عن لقمة خبز.