دماء الأبطال في الجبهات وأوجاع الأسر في البيوت .. تعز تبحث عن عدالة الغائبين

دماء الأبطال في الجبهات وأوجاع الأسر في البيوت .. تعز تبحث عن عدالة الغائبين
مشاركة الخبر:

تئن مدينة تعز تحت وطأة ظروف إنسانية واقتصادية قاسية، حيث تتضاعف معاناة مئات الأسر يومياً في صراع شاق للحصول على أدنى مقومات الحياة. وبين كرامة أُهدرت على طوابير الغاز والسلال الغذائية، وتضحيات جسام قدمها أبناء المدينة في خطوط الدفاع الأولى، يقف المواطن اليوم متسائلاً عن دور السلطة المحلية والمؤسسات الرسمية في تخفيف هذه الوطأة وإنصافه، بعد أن أُغلقت في وجهه الأبواب.

في هذا الاستطلاع الشامل، نفتح ملف المعاناة الإنسانية والخدمية في تعز، ونستعرض شهادات وآراء مختلف الفئات المجتمعية والرقابية والأكاديمية، للوقوف على أبعاد هذه الأزمة ومسؤولية الجهات الرسمية تجاهها.

صرخة في وجه التقصير
محمد الحداد (نائب رئيس اللجنة الرقابية بالمحافظة) قال: "أقسم بالله العظيم، إننا نشاهد هذه الأيام عشرات، بل مئات الأسر التي تعيش المعاناة نفسها. دموع وقهر ووجع لا يشعر بها إلا من عاش مرارة الحاجة وانكسار الخاطر بسبب دبة غاز أو سلة غذائية أو علاج. أين يذهب هؤلاء الناس؟ ولمن يشتكون؟ أذللتم المواطنين وأهنتم كرامتهم، وهم الذين ضحّوا بأبنائهم ورجالهم في جبهات القتال دفاعاً عن تعز وكرامة أهلها! لا تعتذروا بذريعة الحرب، فتعز مظلومة في السلم والحرب، والحرب لا تعني أن يموت الشعب جوعاً أو يُحاصر في الخدمات. وظيفة الرئاسة والقيادات والمحافظة والمجلس المحلي توفير المقومات الأساسية، فالجميع مسؤول، ولا يمكن تبرئة أحد، فاتقوا الله في تعز ومواطنيها."

الكرامة أولاً
المهندس أمين العبسي (قيادي في الأنشطة الشبابية والعمل المجتمعي بتعز) قال: "ما يمر به المواطن في تعز اليوم يتجاوز حدود الاحتمال. شباب تعز الذين تقدموا الصفوف لحماية المدينة يجدون أسرهم اليوم في طوابير طويلة بحثاً عن أسطوانة غاز أو معونة إغاثية لا تسد الرمق.
الأزمة ليست فقط في نقص الموارد، بل في سوء الإدارة والآليات العبثية لتوزيع الخدمات التي تمس بكرامة المواطن. نطالب بوضع حد لهذه الإهانات وتوفير آلية عادلة تحفظ كرامة الناس وتضمن وصول المستحقات إلى مستحقيها دون عناء أو إذلال."

انكسار أسر أبناء الشهداء والجرحى
الدكتورة إلهام العريقي (أكاديمية وناشطة في العمل الإنساني والنسوي) قالت: "الألم الأكبر هو ما نراه في عيون أمهات وزوجات الشهداء والجرحى. أسر قدمت أغلى ما تملك في الجبهات، وتجد نفسها اليوم صريعة الفقر والمرض وغياب الرعاية الصحية. إن غياب شبكات الأمان الاجتماعي وتراجع الدور التكافلي والخدمي للمؤسسات الرسمية يضع عبئاً ثقيلاً على المرأة المعيلة في تعز. الصمت عن هذه المعاناة جريمة بحق المجتمع، ولا بد من تحرك عاجل لمعالجة أزمات الغاز والسلال الغذائية والخدمات الصحية."

التضحيات تتطلب الوفاء لا التهميش
العميد المتقاعد عبدالحكيم السامعي (خبير عسكري وأمني) قال: "إن تضحيات أبناء تعز في جبهات القتال كانت من أجل استعادة الدولة وصون كرامة المواطن، ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول تهميش هذا الشعب أو التعلل بالحالة العسكرية لتبرير الفشل الإداري والخدمي. حماية الجبهة الداخلية وتأمين العيش الكريم لأسر المرابطين والشهداء والمواطنين عامة هي جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية. الحفاظ على الكرامة الإنسانية في الداخل هو الصخرة التي تتكسر عليها كل التحديات."

تدهور القوة الشرائية وغياب الإصلاحات
الحاج سيف الشرجبي (رجل أعمال وممثل في الغرفة التجارية) قال: "الوضع الاقتصادي في تعز وصل إلى مرحلة حرجة نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار وغياب الضوابط التجارية والإغاثية الفاعلة. الغاز والسلع الأساسية أصبحت عبئاً على كاهل الأسرة البسيطة. لا يمكن حل هذه الأزمة بالوعود الصورية، بل بإصلاحات اقتصادية حقيقية وتفعيل دور الأجهزة الرقابية على الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد للمواد الأساسية، وتسهيل إجراءات تدفق البضائع والمساعدات دون رسوم أو إتاوات مضاعفة."

تعز بين إرث النضال وحاضر المعاناة
الأستاذ فؤاد الحمادي (كاتب وباحث اجتماعي) قال: "تعز كانت ولا تزال قلعة الثقافة والنضال، لكن ما تشهده اليوم من تدهور مريع في الخدمات الأساسية يمثل انتكاسة قاسية للمشروع الحضاري والمدني. المعاناة ليست مجرد أرقام، بل هي قصص قهر يومية داخل كل منزل. تفعيل مؤسسات الدولة والمجلس المحلي ليس ترفاً، بل واجب دستوري وأخلاقي.
إن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تجريف الطبقة الوسطى وانعدام ثقة المواطن بالمؤسسات، مما يحتم مراجعة شاملة لسياسات إدارة الأزمات والخدمات بالمحافظة."

الخاتمة:
يبقى صوت المواطن المكلوم في تعز نداءً عاجلاً موجهاً إلى كل القيادات والمسؤولين في المحافظة والحكومة. إن الدفاع عن تعز وأهلها لا يكتمل إلا بصون كرامتهم وتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة لهم، بعيداً عن مبررات الحرب والظروف الاستثنائية.