«بيت العطاء» .. غطاء عقائدي لاستغلال زوجات قتلى عصابة الحوثي وابتزاز أسرهن
أثار مصطلح «بيت العطاء»، الذي تحدثت عنه الناشطة والحقوقية اليمنية زعفران زايد، جدلاً بشأن ما وصفته بممارسات استغلالية تتعرض لها نساء وفتيات في أسر قتلى عصابة الحوثي، تشمل الزواج المتكرر، وتزويج القاصرات تحت ضغط الفقر والحاجة، واستغلال الأوضاع المعيشية للأسر في ممارسات وصفتها بأنها شكل من أشكال الاتجار بالبشر تحت غطاء عقائدي.
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على أوضاع أسر مقاتلي عصابة الحوثي الذين يُقتلون في جبهات القتال، وما تواجهه أغلب هذه الأسر من أزمات معيشية واجتماعية، وسط اتهامات لقيادات ومشرفين حوثيين باستغلال حاجة الأرامل والفتيات، وربط المساعدات والإعانات بترتيبات زواج لا تكون فيها الموافقة حرة بالضرورة.
# «بيت العطاء».. تساؤلات حقوقية
بحسب ما نقلته زايد في حديثها المصور، فإن «بيت العطاء» يرتبط بممارسات تتعرض خلالها نساء من أسر قتلى الحوثيين للاستغلال والزواج المتكرر، فيما تواجه فتيات صغيرات مخاطر الزواج المبكر بسبب الفقر والحاجة، في حين تصبح أسر بأكملها عرضة للضغوط النفسية والجسدية.
وتطرح هذه الاتهامات تساؤلات حول طبيعة البرامج التي تقدمها عصابة الحوثي تحت عناوين رعاية أسر القتلى والاهتمام بأوضاعها الاجتماعية، ومدى التزام تلك البرامج بحقوق النساء والفتيات، خصوصاً عندما تكون الأسرة قد فقدت معيلها وتواجه صعوبة في تأمين الغذاء والسكن وتعليم الأطفال.
وسبق أن تناولت تقارير صحفية يمنية وعربية اتهامات لقيادات ومشرفي العصابة بإجبار أرامل مقاتلين حوثيين على الزواج مجدداً، أو ممارسة ضغوط عليهن للارتباط بمقاتلين وقيادات ومشرفين في العصابة، في ظل أوضاع معيشية صعبة تعانيها أسر فقدت معيلها في الحرب.
وفي مارس 2021، نشر موقع «المرسى» تقريراً بعنوان «أُسر قتلى الحوثيين: أطفال متسولون وأرامل أُرغمن على الزواج»، نقل فيه عن مصادر محلية وشهادات منسوبة إلى نساء أن بعض الأرامل تعرضن لضغوط للزواج مجدداً، فيما دفعت الظروف المعيشية أخريات إلى القبول بالزواج لتأمين احتياجات أطفالهن.
كما أورد التقرير رواية امرأة قالت إن مشرفاً مسؤولاً عن زوجها أجبرها على الزواج منه بعد انتهاء عدتها.
وفي تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في مارس 2023، وردت شهادات واتهامات بشأن استغلال أوضاع أسر القتلى والجرحى، بما في ذلك الضغط على بعض الأسر لتزويج أرامل وبنات قاصرات بقيادات حوثية أو أبنائها، وربط بعض المساعدات والامتيازات بترتيبات اجتماعية تخدم مصالح قيادات العصابة.
وأشار التقرير إلى ما وصفه بـ«برنامج الحماية والتحصين» التابع لمؤسسة الشهداء الحوثية، باعتباره جهة مسؤولة، وفق المصادر التي استند إليها، عن بعض أنشطة تزويج أرامل القتلى وبناتهم.
كما نشرت صحيفة «الوطن» السعودية في ديسمبر 2018 تقريراً نقلت فيه عن مصدر مقرب من الحوثيين مزاعم بشأن توجيهات لتزويج أرامل مقاتلين قُتلوا في الجبهات، وتحدث المصدر عن حالات تعرضت فيها نساء للتهديد والضغط للقبول بالزواج.
# الفقر والحاجة.. مدخل لاستغلال النساء والفتيات
تتمثل إحدى أخطر القضايا التي تثيرها هذه الاتهامات في الظروف الاقتصادية التي تعيشها أسر فقدت معيلها، خصوصاً عندما تكون الأسرة مسؤولة عن أطفال صغار ولا تمتلك دخلاً ثابتاً أو شبكة دعم اجتماعي قادرة على تعويض خسارة الزوج أو الأب.
وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول المساعدات المالية والغذائية إلى أداة ضغط إذا جرى ربطها بقبول ترتيبات زواج، أو إذا استُخدمت الحاجة المادية لإجبار امرأة على الارتباط بشخص لا ترغب فيه.
كما أن تزويج القاصرات تحت ضغط الفقر يثير مخاوف إضافية تتعلق بحق الفتاة في التعليم والحماية والنمو الآمن، وقدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية بشأن حياتها.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما يكون الطرف الذي يمارس الضغط صاحب نفوذ أمني أو عسكري أو إداري، بينما تكون المرأة وأسرتها في وضع ضعيف يصعب معه رفض مطالبه أو تقديم شكوى ضده.
ومع ذلك، فإن التمييز ضروري بين الزواج الذي يتم برضا الطرفين، وبين الزواج القائم على الإكراه أو التهديد أو استغلال الحاجة. فالمشكلة الحقوقية ليست في إعادة زواج الأرملة بحد ذاتها، وإنما في أي ممارسة تسلبها حرية الاختيار أو تستغل فقرها أو تعرضها للعنف والابتزاز.
زواج القاصرات والاتجار بالبشر
وصفت زعفران زايد الممارسات التي تحدثت عنها بأنها «تجارة بالبشر تحت غطاء عقائدي»، تتضمن إكراهاً واستغلالاً وتهديداً للنساء من زوجات وأقارب صرعى عصابة الحوثي بغرض الاستغلال.
ويُعد الزواج القسري من القضايا الحقوقية التي تتطلب اهتماماً خاصاً، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بفتيات قاصرات أو نساء لا يملكن القدرة على رفض الضغوط الواقعة عليهن.
وتقدم عصابة الحوثي نفسها، في مناسبات ومشروعات مرتبطة بقتلاها، بوصفها راعية لأسر من قُتلوا في صفوفها. غير أن تقارير صحفية سابقة أثارت تساؤلات حول التفاوت في المساعدات والامتيازات المقدمة لهذه الأسر، وعن تعرض بعض الأرامل والأطفال لأوضاع معيشية صعبة رغم الوعود بالرعاية.
وأشار تقرير «الشرق الأوسط» لعام 2023 إلى تفاوت في التعامل مع أسر القتلى والجرحى، وإلى اتهامات باستغلال الاحتياجات المعيشية لبعض الأسر لدفع أفراد آخرين منها إلى القتال أو القبول بترتيبات زواج.
وتفتح قضية «بيت العطاء»، وفق توصيف زعفران زايد، ملفاً أوسع يتعلق بحقوق النساء والفتيات في أسر قتلى الحوثيين، وحدود مسؤولية الجهات التي تتولى رعايتهن، ومخاطر استغلال الحاجة الاقتصادية لتحقيق مصالح شخصية أو فرض خيارات اجتماعية عليهن.
وتتطلب معالجة هذه القضية توفير حماية مستقلة للنساء والفتيات، وضمان عدم ربط المساعدات الإنسانية بالموافقة على الزواج، وإتاحة قنوات آمنة للإبلاغ عن التهديد والابتزاز، فضلاً عن التحقيق في أي اتهامات موثقة ومحاسبة المسؤولين عنها.