مطلوب قانون.. "موت بلا ديون" .. حين تصبح فاتورة العناية المركزة أثقل من كفن المريض
في الوقت الذي تُسدل فيه الستائر داخل وحدات العناية المركزة، وتعلن الأجهزة الطبية توقف نبض القلب، لا تنتهي "مهمة" بعض المستشفيات الخاصة؛ بل تبدأ رحلة تحصيل الملايين من جيوب عائلات لم تجف دموعها بعد.
يفتح تقرير "المنتصف" اليوم ملفًا مسكوتًا عنه: هل تحولت العناية المركزة في القطاع الصحي الخاص إلى "فخ" مالي لا يرحم الموتى، ولا يحترم أحزان ذويهم؟
إحصائيات تثير الريبة
تشير تقارير غير رسمية، وروايات متكررة من داخل أروقة المستشفيات الخاصة، إلى أن نسبة الوفيات في وحدات العناية المركزة وصلت إلى أرقام مرعبة، حيث يخرج نحو 80% من المرضى المنومين فيها محمولين على النعوش. وإذا صحت هذه الأرقام، فإنها لا تعكس تحديات صحية فحسب، بل تطرح تساؤلات مشروعة حول مستوى الكفاءة الطبية، وبروتوكولات العلاج، ومعايير السلامة داخل هذه الوحدات.
الموت... ليس نهاية المطالبة
الصدمة التي تعقب خبر الوفاة لا تقتصر على فقدان الحبيب، بل تتضاعف حين تجد أسرة المريض نفسها أمام فواتير خيالية تتجاوز قدرتها على السداد، مستغلةً حالة الانهيار النفسي التي تعيشها.
وفي ظل غياب تشريع يحمي عائلات المتوفين، تواصل بعض المستشفيات ملاحقة هذه الأسر بمطالبات مالية وقضائية، محولةً الموت من فاجعة إنسانية إلى قضية ديون مستحقة، فضلًا عن احتجاز جثمان المتوفى ومنع تسليمه لذويه حتى سداد تكاليف العناية المركزة، التي تُحتسب أحيانًا بأسعار تضاهي الإقامة في فنادق الخمس نجوم.
استثمار جثة الميت
اشتكى عدد من أهالي المرضى من تأخر إبلاغهم بوفاة ذويهم داخل غرف العناية المركزة في بعض المستشفيات الخاصة، وهو ما يترتب عليه احتساب أيام إقامة إضافية على المتوفى، بحسب شهادات جمعتها "المنتصف".
وقالوا إنهم لم يُبلَّغوا بوفاة ذويهم إلا بعد مرور يومين، أو بعد وصول حالة مرضية أخرى إلى الغرفة. وأضاف أحدهم: "حسبوا علينا أجرة الأيام وكأنه لا يزال على قيد الحياة".
ويؤكد الأهالي أن هذا التأخير يضاعف معاناتهم النفسية والمادية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها المواطنون.
رؤية قانونية.. الرحمة قبل الجباية
يتساءل المواطنون اليوم: أين دور الجهات الرقابية؟ ولماذا لا يُسن قانون يُلزم المستشفيات بالآتي:
- الإعفاء المالي التلقائي:
إقرار تشريع يُسقط جميع الديون والالتزامات المالية عن أسرة المريض بمجرد إعلان وفاته داخل العناية المركزة، باعتبار أن هذه النفقات ينبغي أن تكون جزءًا من المسؤولية المجتمعية للمستشفى أو من منظومة التأمين الصحي.
- اللجان الطبية المستقلة:
إلزامية تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لكل حالة وفاة داخل العناية المركزة، لضمان عدم وجود إهمال طبي، وكشف أسباب الوفاة بشفافية كاملة أمام ذوي المتوفى، بعيدًا عن التقارير الداخلية التي قد تفتقر إلى الحياد.
- سقف للربحية الإنسانية:
وضع تشريعات صارمة تحدد تكاليف العناية المركزة، وتمنع أي ممارسات تستنزف الأسر تحت وطأة الابتزاز المالي.
صوت الشارع.. "كفانا استثمارًا في أوجاعنا"
يقول أحد ذوي الضحايا: "لم يكفهم أننا فقدنا أبانا، بل أرادوا منا دفع ثمن بقائه في غرفة لم تمنحه سوى الموت".
وتختصر هذه العبارة آلاف القصص التي تئن تحت وطأة الاستغلال، فمطالبة المجتمع اليوم ليست استعطافًا، بل هي مطالبة بحق الإنسان في "الموت بكرامة"، بعيدًا عن صراعات المحاكم والمطالبات المالية.
خاتمة:
إن القطاع الصحي الخاص، الذي يرفع شعارات تقديم الرعاية المتميزة، مدعو اليوم إلى إثبات أنه مؤسسة إنسانية قبل أن يكون مشروعًا استثماريًا.
كما أن صمت الجهات المعنية تجاه هذه الممارسات، إن ثبتت، يعني استمرار نزيف الأرواح والأموال معًا.
لقد حان الوقت لرفع الغطاء عما يجري داخل بعض غرف العناية المركزة، وإقرار قانون "موت بلا ديون"، حتى لا يبقى الحزن في وطننا محكومًا بفاتورة حساب.