صنعاء بين مطرقة الجباية وسندان "الولاء" .. كيف دمرت مليشيا الحوثي الطبقة الوسطى؟

صنعاء بين مطرقة الجباية وسندان "الولاء" .. كيف دمرت مليشيا الحوثي الطبقة الوسطى؟
مشاركة الخبر:

في صنعاء، تبدلت الأحوال حتى صار "المشرف" الحوثي هو المرجعية، وصار الولاء هو الشهادة الجامعية الوحيدة المطلوبة. وبينما تغلق المحلات أبوابها تحت ضغط الإتاوات، وتتلاشى الطبقة الوسطى، لا يجد اليمنيون أمام هذا العبث إلا سلاح "السخرية السوداء" لوصف واقع سُلب فيه الراتب، وغابت فيه العدالة، وحلت فيه الجبايات محل الخدمات.

لقاءات من قلب الشارع:
1. أحمد الحيمي (موظف حكومي سابق) قال: يا أخي، قل لي أي عدالة؟ أنا قضيت 20 سنة في المؤسسة، وفجأة طلع لي مشرف عمره 20 سنة، لا يعرف يكتب مذكرة رسمية، ويقول لي: "يا عم أحمد، أنت مش مؤدلج، روح اجلس بالبيت". الراتب راح، والمكافآت راحت، وحتى "علاوة الغلاء" أخذوها هم. صرنا نشتغل بالسخرة في مؤسسات الدولة، وإذا فتحت فمك قالوا لك "طابور خامس". الآن صرت أبيع في بسطة حراج، والرزق على الله، والمشرف حقنا صار يجي يشتري مني ويحاسبني بـ"البركة". تخيل، يقبض راتبي هو ومكافأتي، ويجي يزايد علي بالوطنية وأنا مش قادر أشتري كيس دقيق لأولادي. أصبحنا غرباء في مكاتبنا التي بنيناها بعرق جبيننا، والآن يحكمنا من لا يفقه في الإدارة إلا التعزير والتهديد. والله إنها مسخرة تبكي الحجر، والواحد منا أصبح يخاف يفتح فمه حتى لا يذهب في الرجلين.

2. منصور الصنعاني (صاحب محل تجاري) يقول:
تريد أن تعرف عن الإتاوات؟ قل لي من ينجو منها! يجي لعندي واحد، لا هو تاجر ولا هو يعرف كم رأس مالي، ويقول لي: "هات حق المجهود الحربي". أقول له: يا ابن الحلال، المحل ما جاب حق الإيجار، فيرد علي ببرود: "الجهاد أهم من الإيجار يا خي". كل أسبوع مناسبة، وكل مناسبة لها جباية، وكل جباية أغلى من التي قبلها. الآن المحل ما عاد هو حقي، أنا مجرد "مستأجر" عند المشرف، أفتح له المحل الصبح، وهو يجي العصر ياخذ الغلة. أقسم بالله إنني فكرت أقفل المحل وأسلم لهم المفاتيح ليشتغلوا فيه هم، يمكن يعرفوا كيف يدفعوا الإيجار. والضرائب تمر أمام المحل، يوزعوا نظرات تهديد وكأننا سارقين في ملكهم، بينما نحن من نأكل التراب لنغطي مصاريفهم. العدالة عندهم مجرد كلمة في التلفزيون، أما في الواقع فهي جيب التاجر المنهك الذي لم يعد يملك حتى قيمة فاتورة الكهرباء.

3. فؤاد العنسي (خبير اقتصادي) قال:العدالة الاجتماعية في صنعاء الآن تطبق بنظام طبقي واضح. هناك طبقة المشرفين الحوثيين، وهؤلاء لديهم خزائن مفتوحة، وطبقة الشعب التي تعيش على الوعود بالفرج. صار الاقتصاد اقتصاد جباية بامتياز. تُفرض عليك إتاوة باسم المولد، وباسم الجبهة، وباسم الشهيد، وفي النهاية تصبح أنت "الشهيد الحي" الذي يدفع فاتورة الجميع. حتى القوانين صارت تُفصل على مقاس الجيب، لا على مقاس مصلحة الناس. هم دمروا الطبقة الوسطى التي كانت تحرك البلد، وصار المجتمع مقسوماً بين جائع ومنهوب. لا توجد شفافية، لا توجد موازنة، وكل شيء يذهب إلى صناديق سوداء لا أحد يعرف أين تنتهي. الاقتصاد في صنعاء صار كأنه بيت عنكبوت، هش ومبني على الابتزاز بدل الاستثمار، والكل ينتظر متى ينهار هذا الهيكل فوق رؤوس الجميع.

4. صادق المحويتي (أكاديمي سابق) قال: وصلنا لمرحلة السخرية من القهر. حتى في الجامعات، من يكتب بحثه عن "الولاء" يحصل على امتياز، ومن يكتب عن "الإدارة" يحصل على استدعاء. الشباب المتعلم هربوا، ومن بقي يغرق في دوامة الفقر. لم نعد نثق بأي مؤسسة، لأن المؤسسة صارت واجهة لخدمة أهداف المليشيا. نحن نعيش في مدينة مفرغة من كفاءاتها، ومليئة بمشرفين همهم الوحيد كم سيجمعون من الجبايات قبل نهاية الشهر. العلم أصبح تهمة، والخبرة أصبحت رجعية، وكل ما كان يمثل الدولة وقيمها صار يُحارب كأنه عدو. صنعاء التي كانت منارة للفكر أصبحت اليوم سجناً كبيراً للأفكار المعلبة التي لا تقبل النقد أو التفكير. لم يبق لنا إلا أن نضحك على حالنا، لأن البكاء انتهت دموعه من كثرة ما رأينا من عجب.

5. خالد الكبسي (مواطن من سكان صنعاء) قال:لا تبحث عن عدالة، العدالة أصبحت كلمة محرمة في القاموس. لدي أسرة، والراتب انقطع من سنين، وكلما ذهبت أطالب بحقي يقولون لي "اصبر، الصبر جهاد". طيب والجبايات التي تُفرض على محلاتنا وبيوتنا، لماذا لا يصبرون عليها؟ الآن الواحد منا صار يخاف أن يمر بجانب طقم أو مشرف حتى لا يفتحوا له قصة جديدة. صنعاء كانت مدينة التجار والأدب، الآن صارت مدينة الإتاوات بامتياز. لا يوجد قانون يحميك، ولا جهة تشكو لها، لأن القاضي والمشرف والمسؤول كلهم من نفس المدرسة. صرنا غرباء في بيوتنا، ننتظر الفرج كل يوم، والفرج بعيد ما دام هؤلاء متمسكين بمفاصل الدولة. الله المستعان، صنعاء اليوم ليست صنعاء التي نعرفها، بل مجرد عزبة للمشرفين، ونحن مجرد عمال سخرة لا نملك حتى حق الاعتراض.

الختام:
هذه الأصوات ليست مجرد تذمر، بل هي انعكاس لحالة من فقدان الثقة التام في هيكلية مليشيا لا ترى في المواطن إلا ممولاً لمشاريعها، ولا ترى في الكفاءة إلا عائقاً أمام سيطرتها. إن التجريف الذي نراه في صنعاء اليوم ليس مجرد إقصاء وظيفي، بل هو عملية تحويل كاملة لمدينة عريقة إلى ساحة نفوذ، حيث غدت السخرية هي الملاذ الأخير لمواطنين يطالبون بأبسط حقوقهم في العيش بكرامة، بعيداً عن صلف المشرفين وغطرسة الجباية.