أسد بغداد .. الأضحية والشهيد

أسد بغداد ..  الأضحية والشهيد
مشاركة الخبر:

في يوم النحر، والمدى يضجّ بالتكبير، والسكاكين تبحث عن شياهها، لا يستدير الذهن إلّا نحو تلك الأُضحية التي فُصِّلت على مقاس التاريخ. هنالك، في صبيحةٍ ما زالت تنزف في ذاكرة الكبرياء العربي، لم يكن الحبل يلتف حول عنق رجل، بل كان يطوق ما تبقى من كرامة أمةٍ صوّرتها شاشات البث المباشر وهي تلوك صمتها ببلادة المجترّين.

حِينَ أُعْدِمَ الرَّأْسُ وَصَفَّقَتِ القَبَعَات!
​في ذلك الصباح المبارك، قرر "النظام الدولي" أن يهدي الأمة العربية أُضحيةً بطعم الهزيمة الكاملة. ولم تكن المفارقة في توقيت المشنقة، بل في أولئك الذين جلسوا خلف الشاشات من ولاة الأمر، يتابعون المشهد بأصابع مرتعشة تخشى أن يطول الحبل كراسيها، وعيونٍ متسعة جفّ فيها ماء الحياء، يبتلعون ريقهم المُرّ بينما البطل يبتسم للموتِ في وجه جلاديه.

​جلالة الصمت.. وفخامة الذهول!
​يا لروعة القيادات الدولية والعربية في ذلك اليوم! لقد أثبتوا للعالم أن "الدبلوماسية" هي القدرة الفائقة على بلع اللسان في اللحظة التي تطلب فيها الرجولة كلمة.

​عربٌ في غيبوبة البروتوكول
صمتوا صمت القبور، ليس احتراماً للموت، بل رعباً من الجلاد الواقف وراء البحار. أداروا وجوههم نحو موائدهم العامرة في العيد، وتظاهروا بأنهم لم يروا الرجل الذي واجه حبل المشنقة وهو يردد الشهادتين بصلابةٍ هزت قلوب قاتليه قبل محبيه. لقد خافوا من "هيبته" وهو يُساق إلى الموت، أكثر مما خافوا من دبابات الغازي التي داست كبرياء عواصمهم.

​المجتمع الدولي وحقوق "النعام"
أما صناع القرار الدولي، فرسان "حقوق الإنسان" وهيئة الأمم التي لا تجتمع إلا لتؤبن الضحايا بعد دفنهم، فقد مارسوا هوايتهم المفضلة: "القلق العميق". قلقوا لدرجة أنهم لم يفعلوا شيئاً، وغمزوا للجلاد تحت الطاولة ليُجهز على الرجل الذي تجرأ يوماً وقال "لا" في زمن "نعم" القطيعة،

​صدام حسين.. الأُضحية والشهيد
​"لم يكن إعدام صدام حسين نهاية رجل، بل كان بياناً عملياً لكل القيادات التي ظنت أن قصورها عاصِمة، وأن عروشها باقية. لقد مات المهيب واقفاً كالنخل، بينما عاش من صمتوا بعده هاماتٍ منكسة، يفتشون في جيوب الأجنبي عن صكوك البقاء."
​إن السخرية الحقيقية ليست في مشهد المشنقة، بل في المأساة التي تلتها؛ أولئك القيادات الذين ظنوا أنهم بصمتهم يشترون السلامة، لم يدركوا أن المقصلة التي التهمت رأس "أسد بغداد" كانت جائعة، وأن الأدوار ستدور، وأن التاريخ لا يرحم من يبيع أخاه ليشتري ليلةً إضافية على سرير الحكم الوهِم.

​لقد صعد إلى المشنقة يحمل مصحفه، وترك لهم عاراً لا تغسله مياه البحار، ولا تمحوه خطابات الشجب والاستنكار. مات صدام في يوم النحر ليبقى ذكره حياً مع كل تكبيرة عيد، وبقي صمتهم وصمة عارٍ تُعاد قراءتها كلما بحثت الأمة عن "رجل" في زمنٍ كثرت فيه القبعات.. وغابت الرؤوس!