اليمن بين ثلاثة خيارات مغلقة ومفخخة

  • خاص خاص
  • منذ ساعتين
  •    
اليمن بين ثلاثة خيارات مغلقة ومفخخة
مشاركة الخبر:

لم يعد ما يعيشه اليمنيون مجرد صراع سياسي أو أزمة إنسانية عابرة، بل واقعًا مركبًا تتداخل فيه المشاريع والأجندات، بينما يتراجع صوت الدولة لصالح قوى متعددة. في هذا المشهد، يجد المواطن نفسه محاصرًا بخيارات محدودة، تُطرح كبدائل نهائية، رغم ما تحمله من تعقيدات وتداعيات عميقة على مستقبل البلاد.

لم يعد اليمن، كما يصفه كثير من المراقبين، ساحة صراع واحدة، بل صار مساحة تتجاور فيها مشاريع كبرى تتنافس على تعريف “الدولة” قبل أن تتنافس على إدارتها.

ويختصر عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، يحيى دويد، المشهد اليمني في جملة واحدة لافتة: (شعب يُخيّره الأشقاء بين ثلاثة مشاريع لا رابع لها؛ الولاية، والخلافة، والإمارة).

ثلاث صيغ تبدو مختلفة في شعاراتها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة، وهي أنها تمثل كارثة حتمية تعيق استقرار الدولة والتنمية والمصالحة، وتهدد مستقبل اليمن.

تحت هذه المشاريع، يتآكل مفهوم الدولة بوصفه عقدًا هشًا بين المختلفين، ويتحول إلى جائزة تُنتزع باسم التاريخ أو الدين أو الهوية. ومع كل مشروع جديد، يُعاد تعريف اليمن لا بوصفه مجتمعًا متنوعًا، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة الصياغة.

المفارقة التي يلمح إليها دويد ليست في كثرة المشاريع فقط، بل في طبيعة اللحظة نفسها؛ لحظة تُدفع فيها البلاد إلى حافة الاصطفاف الهوياتي الحاد، حيث يتقدم “الإسلام السياسي” كعنوان واسع يظلل هذه المشاريع، رغم تباينها الظاهري. وكأن الفكرة الدينية هنا لا تُقدَّم بوصفها مجالًا روحيًا أو أخلاقيًا، بل بوصفها أداة تنظيم سياسي تعيد توزيع السلطة والمعنى معًا.

لكن ما الذي يعنيه أن يُخيَّر شعب بين مشاريع كبرى بهذه الصيغة؟ ليس الأمر اختيارًا حرًا بقدر ما هو إعادة صياغة لحدود الممكن. حين تُختزل السياسة في ثلاث سرديات مغلقة، فإن الحياة اليومية نفسها تُدفع إلى الخلف، ويتحول المواطن من فاعل محتمل إلى متلقٍ لخيارات لم يصغها.

في هذا المشهد، تبدو الكارثة التي يتحدث عنها دويد ليست مجرد نتيجة للصراع، بل نتيجة لهيمنة “المشروع” ذاته على حساب الدولة. فالدولة، في معناها البسيط، ليست مشروعًا أيديولوجيًا، بل مساحة توافق هشّ بين المختلفين. أما حين تتحول إلى مشروع عقائدي، فإنها تفقد قدرتها على احتواء التعدد، وتبدأ بالانقسام من داخلها قبل حدودها.

في مقابل هذه المشاريع، يبرز غياب واضح لرؤية وطنية جامعة تحظى بإجماع نسبي.

بعض النخب السياسية تدعو إلى نموذج مدني يقوم على المواطنة وسيادة القانون، لكن هذه الدعوات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التأثير على الأرض.

ربما لا تكمن مأساة اليمن فقط في تعدد المشاريع، بل في غياب فكرة جامعة تتجاوزها. فحين تصبح السياسة سباقًا بين خلاصات كبرى جاهزة، يضيق المجال أمام الأسئلة الصغيرة التي تصنع حياة الناس: كيف نعيش؟ كيف نعمل؟ وكيف ننجو من يومنا العادي؟

هناك، في تلك التفاصيل المنسية، تُقاس الدول لا في شعاراتها الكبرى، بل في قدرتها على تحويل المشاريع المتصارعة إلى حياة ممكنة.

يرى مراقبون أن استمرار الوضع الحالي في اليمن قد يؤدي إلى ترسيخ حالة “اللا دولة”، حيث تتعايش عدة سلطات دون إطار جامع.

في المقابل، يظل الأمل مرتبطًا بإمكانية إعادة بناء مشروع وطني يستند إلى التوافق، ويستفيد من دروس السنوات الماضية.