باب المندب: حين تضيق الجغرافيا وتتسع حسابات العالم بين هرمز والبحر الأحمر

منذ 7 ساعات
مشاركة الخبر:

هناك لحظات في الجغرافيا تتحول فيها المسافات الضيقة إلى مسارح واسعة للتاريخ، ويبدو أن مضيق باب المندب يعيش واحدة من تلك اللحظات الآن.

ففي ظاهر الأمر، نحن أمام ممر مائي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكن في جوهره، نحن أمام عقدة تتشابك عندها خيوط السياسة والاقتصاد والاستراتيجية. ذلك أن ما يجري بعيداً في مضيق هرمز لا يبقى هناك، بل تتردد أصداؤه سريعاً في باب المندب، وكأن المضيقين يشكلان معاً رئتين يتنفس بهما العالم طاقته وتجاراته.

باب المندب ليس مجرد طريق بحري، بل هو بوابة تفتح وتغلق على واحد من أهم الشرايين العالمية: قناة السويس. ومن خلال هذه البوابة تمر نسبة معتبرة من تجارة العالم، من النفط إلى السلع، ومن المواد الخام إلى المنتجات النهائية. ولهذا، فإن أي تهديد، مهما بدا محدوداً، لا يُقاس بحجمه العسكري فقط، بل بما يتركه من أثر في أسعار الطاقة، وفي حسابات شركات الشحن، وفي استقرار سلاسل الإمداد التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

غير أن المسألة لا تتوقف عند الجغرافيا. فهناك ما يمكن تسميته بـ"التلازم الاستراتيجي" بين باب المندب وهرمز. فإذا اختنق أحدهما، بحثت التجارة العالمية عن منفذ في الآخر، لكن هذا البحث نفسه يخلق ضغطاً جديداً، ويعيد توزيع المخاطر بدلاً من إلغائها. وهكذا يتحول البحر الأحمر، ومعه باب المندب، إلى مسرح احتياطي للأزمات، لا يقل حساسية عن المسرح الأصلي في الخليج.

وفي تقدير دوائر عديدة، فإن المستقبل القريب للمضيق لن يخرج عن ثلاثة احتمالات: أولها استمرار حالة الاحتواء، حيث تتكفل القطع البحرية الدولية وشبكات التنسيق الأمني بمنع الانفجار الكبير. وثانيها تصعيد منخفض الوتيرة، يجري عبر أطراف محلية، بحيث تبقى العمليات محدودة لكنها كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة التأمين. أما ثالثها، وهو الأقل احتمالاً والأخطر أثراً، فيتمثل في انزلاق غير محسوب يفتح الباب لمواجهة أوسع.

هنا، يبرز اليمن بوصفه حجر الزاوية في هذه المعادلة. فالموقع يمنح تأثيراً، حتى في ظل ضعف الإمكانات. وعلى الأرض اليمنية تتقاطع حسابات قوى إقليمية ودولية، لكل منها رؤيته لمستقبل هذا الممر الحيوي. وبينما تدرك القوى المحلية حساسية الذهاب بعيداً في التصعيد، فإن المضيق يظل حاضراً في خطابها، كأداة ضغط وكورقة تفاوض في آن واحد.

وفي المقابل، تحاول الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن تجد لنفسها موطئ قدم في ملف الأمن البحري، مستفيدة من الاهتمام الدولي المتزايد، لكنها تصطدم بواقع ميداني معقد يحد من قدرتها على الفعل. وفي الخلفية، يتكثف الحضور العسكري الدولي في البحر الأحمر وخليج عدن، في مشهد يعكس حرصاً على حماية حرية الملاحة، بقدر ما يعكس أيضاً حجم القلق الكامن.

وفي النهاية، قد يكون باب المندب واحداً من أصغر المضائق على الخريطة، لكنه بالتأكيد من أكبرها تأثيراً في ميزان العالم. فهو ليس مجرد ممر بين بحرين، بل نقطة التقاء بين مصالح متشابكة، وتوازنات دقيقة، وأزمات قابلة للاشتعال في أي لحظة. ولهذا، فإن ما يجري فيه وحوله لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل كجزء من قصة أكبر… قصة عالم يعيد ترتيب طرقه تحت ضغط القلق.