معركة استعادة الدولة لا تُدار من المنفى
في لحظة فارقة من تاريخ اليمن، لم يعد مقبولاً أن تستمر قيادة الشرعية في إدارة شؤون البلاد من الخارج، بينما يتحمل المواطنون والمقاتلون في الداخل أعباء الحرب وتكاليف الانهيار الاقتصادي والمعيشي. فالوطن الذي يواجه مشروعاً انقلابياً يستهدف دولته وهويته ومستقبله، لا يحتاج إلى قيادة تكتفي بالتصريحات والاجتماعات، بل إلى قيادة حاضرة تتحمل مسؤولياتها من قلب المعركة.
فلا يمكن قيادة معركة مصيرية من المنفى، ولا يمكن مطالبة اليمنيين بتقديم المزيد من التضحيات، فيما تظل القيادة التي يُفترض أن تقودهم بعيدة عن أرض المعركة.
وإذا كانت عملية فجر اليمن، التي انطلقت في الخامس من أكتوبر 2026م، بهدف استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، تمثل بالفعل تحولاً عسكرياً حاسماً، فإن أول اختبار جدي لقيادة الشرعية يتمثل في وجودها داخل البلاد، قريبةً من القوات التي تخوض المواجهة، ومن المواطنين الذين يدفعون ثمن الحرب، بدلًا من البقاء خارج الحدود فيما يُطلب من الآخرين خوض معركة المصير.
إن المفارقة الصارخة تكمن في أن يُطلب من اليمنيين توحيد الصفوف، وتجاوز الخلافات، وتقديم التضحيات، بينما لا تقدم القيادة السياسية النموذج الذي يمنح هذه الدعوات مصداقيتها. فكيف يمكن بناء اصطفاف جمهوري متماسك في ظل اتساع المسافة بين القيادة والشعب؟ وكيف يمكن استعادة الثقة بمؤسسات الدولة إذا ظلت قياداتها بعيدة عن واقع المواطنين ومعاناتهم اليومية؟
إن توحيد القوى الجمهورية والقبائل والمكونات السياسية ليس مهمة تُنجز عبر البيانات وحدها، بل يتطلب قيادة حاضرة تمتلك الإرادة والقدرة على جمع مختلف القوى حول هدف وطني واضح: إنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وإعادة القرار الوطني إلى الداخل اليمني.
ومن هنا، فإن على قيادة التحالف العربي الانتقال من سياسة الدعم المفتوح إلى سياسة المساءلة وربط الدعم بالمسؤولية والإنجاز. فلم يعد من المقبول استمرار الامتيازات والمخصصات والخدمات التي تتيح الإقامة المريحة والطويلة في الخارج، دون نتائج تتناسب مع حجم الدعم والتضحيات التي يتحملها اليمنيون. والمطلوب مراجعة هذه الترتيبات بصورة حازمة، ووضع مسار واضح لعودة قيادة الشرعية إلى الداخل، مع توفير الضمانات الأمنية واللوجستية اللازمة لتمكينها من أداء مهامها.
إن هذه الدعوة لا تستهدف التضييق من أجل التضييق، ولا تعني تعريض المسؤولين لمخاطر غير محسوبة، بل تستهدف إنهاء حالة الانفصال بين السلطة والمسؤولية، وتحويل الدعم من امتياز مستمر إلى التزام سياسي ووطني يخضع للتقييم والمحاسبة.
فالمعركة من أجل إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة ليست مسؤولية المقاتلين وحدهم، بل هي مسؤولية قيادة سياسية مطالبة بأن تكون على مستوى تضحيات الشعب وتطلعاته.
وإذا كانت قيادة الشرعية مقتنعة فعلاً بأن معركة استعادة صنعاء معركة مصير، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال لا بالخطابات. وإذا كانت تطالب الشعب بالصبر والتضحية، فعليها أن تشاركه ظروفه وتتحمل نصيبها من المسؤولية. أما استمرار إدارة المعركة من الخارج، في ظل غياب جدول زمني واضح للعودة، فيثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة القيادة على مواكبة متطلبات المرحلة والاستجابة لاستحقاقاتها.
إن استعادة الدولة لا تبدأ من قاعات الفنادق، ولا تُحسم من وراء الحدود، بل تتطلب قيادة حاضرة، وقراراً مسؤولاً، ومؤسسات فاعلة تعمل من الداخل. لقد آن الأوان لأن تعود قيادة الشرعية إلى الوطن، أو أن تواجه بوضوح سؤالاً لا يمكن تأجيله: كيف تطالبون اليمنيين بتحرير وطنهم، وأنتم لا تجعلون من العودة إليه أولوية؟