اليمن على مفترق طرق .. كيف يرمم اليمن جراح الحرب ويستعيد وجهه السعيد؟
على تخوم أطول فصول المأساة المعاصرة، يقف الإنسان اليمني متأملًا دمارًا طال جذور الوجود ومقومات الحياة، ليطرح بصوت يملؤه الأسى وعتب التاريخ ذلك التساؤل الموجع: هل كانت هذه الحرب بكل ما أفرزته من مآسٍ، وأرواح زهقت، وبلاد شرّدت، تستحق كل هذا العناء والخراب؟
لقد حولت سنوات الصراع البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد إلى ركام، وأدخلت ملايين الأسر في دوامة من انعدام الأمن الغذائي والمعيشي. وفي ظل تشابك خيوط الأزمة، تتعالى أصوات الشارع اليمني باحثة عن طوق نجاة يعيد للوطن عافيته، ويضمن للمواطن البسيط حقّه في العيش بسلام، بعيدًا عن لغة البارود وتبعات الانهيار الشامل.
الجذور والجدوى: هل كانت الحرب قدَرًا محتومًا؟
حين تستقرئ العقلانية مشهد الصراع في اليمن، يتبادر إلى الذكرى حجم الوعود البرّاقة والشعارات الصاخبة التي أُطلقت مع اندلاع الأزمات، لتصطدم لاحقًا بجدار الواقع المتمثل في شلالات الدم ومقدرات الدولة المهدرة. يجمع المحللون والمواطنون على حد سواء أن الصراعات الداخلية والتدخلات التي مزقت النسيج الاجتماعي اليمني لم تُسفر قط عن منتصر حقيقي سوى الموت والخراب والتشريد.
إن الحصيلة المرعبة للأرواح البريئة التي سقطت، والبنية التحتية التي سويت بالأرض، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن كلفة الحرب باهظة وفادحة إلى الحد الذي تجعل أي مكاسب سياسية متخيلة مجرد أوهام لا تساوي قطرة دم واحدة أُريقت على تراب هذا الوطن.
شريان الأمل: كيف تعود اليمن إلى بر الأمان والرخاء؟
استعادة العافية للجسد اليمني المنهك ليست مستحيلة، لكنها تتطلب جراحة دقيقة تبدأ بالاعتراف بواقع الأزمة والتخلي عن لغة الإقصاء. إن طريق الاستقرار والرخاء يبدأ حتمًا بـ:
إرساء سلام شامل ودائم: عبر تسوية سياسية عادلة تخاطب جذور المشكلة ولا تكتفي بالمعالجات السطحية.
إعادة بناء مؤسسات الدولة: تحييد القطاع الخدمي والاقتصادي، وتسليم مقاليد الإدارة لكفاءات وطنية نزيهة قادرة على التخطيط السليم.
فك الحصار وإصلاح الاقتصاد: فتح المعابر، وتوحيد العملة الوطنية، ودعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصيد والتجارة لاستعادة الدورة الاقتصادية.
كيف يعيش المواطن بعيدًا عن لغة الموت؟
أما المواطن اليمني، الذي أثقل كاهله ركود الأسواق وانقطاع الرواتب والخوف الدائم على مصير أبنائه، فإنه لا يطلب المستحيل؛ كل ما يرجوه هو الحد الأدنى من شروط العيش الآمن.
إن العيش الهادئ والمطمئن يبدأ حين تتوقف لغة التحريض والتعبئة، ويشعر المواطن بسيادة سيادة القانون وعدالة توزيع الثروات. تحويل اليمن إلى واحة استقرار يحتاج إلى ثقافة مجتمعية جديدة تعلي من شأن الحوار وقبول الآخر، وتجعل من التنمية والتعليم وبناء المدارس والمستشفيات الأولوية القصوى بدلاً من تكديس السلاح وإذكاء نار الفرقة.
معضلة السلطة وسؤال المراجعة الذاتية
يظل السؤال الأثقل في المشهد اليمني الراهن متعلقًا بطبيعة الجماعات المسلحة التي هيمنت على مقدرات الدولة ومؤسساتها، ومدى إمكانية أن تقوم هذه الفصائل بمراجعة جذرية لمواقفها وتغليب مصلحة الوطن العليا على المكاسب الفئوية الضيقة.
إن التاريخ الإنساني يخبرنا أن المراجعات الشجاعة والاعتراف بفشل خيارات العنف هي بداية الحلول الكبرى. وفي الحالة اليمنية، فإن إفساد أية فرصة للسلام أو التشبث بمكتسبات السلطة الفردية على حساب جوع شعب كامل وتدمير اقتصاده لن يخلّف سوى مزيد من العزلة والرفض الشعبي.
إن إفساح المجال لعودة إدارة وطنية قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفتح آفاق الاستثمار، ورفع المعاناة عن كاهل الملايين، هو الاختبار الحقيقي لمدى وطنية أي طرف يَدّعي حرصه على مستقبل هذا البلد العريق.
الخاتمة:
إن نافذة الأمل في اليمن لم تغلق تمامًا، طالما أن هناك نبضًا حيًا يرفض الاستسلام لليأس، وأصواتًا عقلانية تنادي بالسلام والعدالة.
إن الخروج من نفق الحرب المظلم لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الإنسان اليمني فوق كل اعتبار، وتدرك أن بناء الأوطان يبدأ بالكلمة الطيبة والعدل والمساواة، لا بالدمار والشتات.
آن الأوان لأن تضع هذه الحرب أوزارها، وأن تُطوى صفحة القتل والتشريد إلى الأبد، ليعود اليمن سعيداً كما كانت تصفه كتب التاريخ، واحة للسلام والرخاء لأبنائه ولكل من يعبر أرضه.