أزمة الغاز المنزلي في عدن: أسعار مضاعفة، سوق سوداء، وصمت حكومي مطبق
تعيش العاصمة المؤقتة عدن واحدة من أزماتها المعيشية والاقتصادية الأكثر قسوة، متمثلة في الارتفاع الجنوني لأسباب اختفاء وتلاعب أسعار الغاز المنزلي، وسط غياب تام لأي رقابة حقيقية من الجهات الرسمية. ورغم صدور إعلانات رسمية تحدد أسماء محطات معينة تبيع المادة بأسعار مضاعفة ومبالغ فيها مقارنة بالتسعيرة الرسمية المفترضة، الا أن المواطن البسيط وجد نفسه رهينة لطاحونة السوق السوداء. وفي خضم هذه المأساة اليومية، يبدو وزير النفط والمعادن غارقاً في نوم عميق، وكأن معاناة الملايين لا تعنيه بشيء. بل إن حالة الشلل لم تسلم منها السلطات المحلية بقيادة المحافظ واللجان الشعبية أو الرقابية، والتي تبنت جميعها شعار "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم"، تاركةً المواطن يواجه جشع التجار وأمراء الأزمات بمفرده دون نصير أو معين.
المواطن أحمد سعيد (أب لأسرة مكونة من سبعة أفراد) قال:
"لم أكن أتخيل أن أستدين ثمن أسطوانة غاز منزلي، لكن الواقع المرير أجبرني على ذلك. الأسعار ارتفعت بشكل جنوني ولم تعد تتناسب نهائياً مع دخلي المحدود الذي يأتي بالقطارة. ننتظر بالأسابيع أمام المحطات الرسمية دون جدوى، لنفاجأ بأن الغاز متوفر وبكميات تجارية ضخمة في السوق السوداء وبأضعاف مضاعفة. المحطات المعتمدة نفسها باتت تبيع الحصص بأسعار خيالية تحت مرأى ومسمع الجميع وكأن الأمر لا يعنيهم. لقد أصبح الحصول على وجبة ساخنة واحدة يومياً بمثابة رفاهية لا تقوى عليها ميزانية الأسرة البسيطة.
وزارة النفط والسلطة المحلية تتفرجان على معاناتنا وكأننا لسنا بشراً نستحق العيش بكرامة. لم يبق أمامنا سوى العودة لجمع الحطب، رغم أن الحطب الآخر هو الآخر قد يتم افتعال أزمة فيه قريباً."
الناشط الحقوقي وائل الصبيحي يقول :
"ما يحدث اليوم في عدن من تلاعب بملف الغاز المنزلي هو جريمة منظمة ترتكب بحق المدنيين العزل وتجفيف مقصود لسبل عيشهم. صمت الجهات الرقابية والسلطة المحلية يثير علامات استفهام كبرى حول وجود مصالح مشتركة ورشاوى بين المتنفذين وأصحاب المحطات. الإعلانات التي تخرج بتحديد أسعار مضاعفة عبر محطات بعينها هي في حد ذاتها فضيحة قانونية وأخلاقية تعترف فيها الدولة بعجزها أو تورطها. وزير النفط والمعادن يتحمل المسؤولية الجنائية والأخلاقية الكاملة عن هذا العبث المستمر، إذ لا يمكن تفسير هذا السكوت المطبق سوى بالتواطؤ المفضوح. لقد رفعنا مذكرات عدة، وتواصلنا مع جهات الاختصاص، لكن الرد كان دائماً هو التجاهل التام والصمت المخزي. الحقوق لا تسقط بالتقادم، ويومًا ما سيُحاسب كل من شارك في تجويع هذا الشعب المنهك."
صاحب محطة غاز أهلية (طلب عدم ذكر اسمه خوفاً من التعسف) قال:
"الحقيقة التي لا يريد الجميع الاعتراف بها هي أننا لسنا المستفيدين الأكبر، بل نحن مجرد حلقة ضحية في سلسلة طويلة من الفساد. تكلفة نقل الغاز، والجبايات غير القانونية المفروضة علينا في النقاط الأمنية، وأسعار الشراء المرتفعة من المصدر الرئيسي، كلها أسباب تجعلنا نبيع بالسعر الحالي لنغطي خسائرنا. إذا حاولنا الالتزام بالتسعيرة القديمة، فسوف نضطر لإغلاق محطاتنا تماماً خلال أيام معدودة نظراً لعدم توفر التمويل. المسؤولون في وزارة النفط وشركة الغاز يفرضون علينا شروطاً وإتاوات سرية تجعلنا مجبرين على رفع الأسعار لتعويض تلك الفوارق. نحن نتحمل وحدنا غضب المواطنين، بينما المسؤول الحقيقي جالس في مكتبه المكيف يوقع على صفقات الرفع والتحصيل. الوضع الحالي وصل إلى طريق مسدود ولا يمكن الاستمرار فيه."
السيدة أم فهد (رملة تعول أيتاماً وتبيع الأكل المنزلي)قالت:
"اعتمادي الوحيد في الحياة هو إعداد وجبات خفيفة وبيعها للرزق الحلال، ورأس مالها الأساسي هو الغاز المنزلي الذي أصبح الحصول عليه معجزة حقيقية. اضطررت خلال الشهر الماضي لشراء أسطوانة الغاز بسعر فلكي أكل أكثر من نصف دخلي الشهري المتواضع. عندما أذهب إلى المحطات الرسمية يقال لي إن الحصة انتهت، بينما تجار السوق السوداء يعرضونها أمام عيني جهاراً نهاراً. المحافظ ووزير النفط والمسؤولون يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة ولا يشعرون بلوعة ارتفاع أسعار أبسط مقومات الحياة. لقد تحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق، وكل يوم يمر نزداد فقراً وعجزاً بسبب هذا الإهمال الحكومي المتعمد. هل يعقل ألا نجد من يحمينا من جشع التجار وطمع المسؤولين الذين لا يشبعون أبداً؟"
السائق محمد عبدالرحمن (يعمل على سيارة أجرة)قال:
"الأزمة لم تقتصر على المنازل فقط، بل امتدت لتشمل سيارات الأجرة التي تحولت للعمل بالغاز هرباً من جنون أسعار البترول. لكن المفاجأة الكبرى كانت في افتعال أزمة غاز السيارات ورفع أسعاره بشكل جنوني ليضاهي أسعار المحروقات الأخرى أو يتجاوزها. نقضي ساعات طويلة في الطوابير الطويلة أمام المحطات المخصصة دون أن نحصل على لتر واحد، لنضطر في النهاية للرضوخ وسداد أضعاف السعر في السوق السوداء. اللجان الشعبية والسلطة المحلية يمرون من جانبنا يومياً ويرون هذه الطوابير والمعاناة ولا يحركون ساكناً وكأننا في كوكب آخر. وزير النفط نام نومة أهل الكهف ولم يستيقظ منها حتى الآن رغم تعالي الأصوات والصرخات. إذا استمر هذا الوضع، فسأضطر لبيع سيارتي والجلوس في البيت لأن العمل أصبح خسارة صافية."
الأستاذ الجامعي الدكتور منصور العريقي قال:
"ما نشهده في عدن هو انهيار منظومة القيم الإدارية والأخلاقية وغياب تام لمفهوم الدولة ومؤسساتها الرقابية. عندما تصبح إعلانات المحطات الرسمية هي نفسها من تحدد الأسعار المضاعفة، فهذا يعني أن الدولة باتت تشرعن السوق السوداء والابتزاز بنفسها. وزير النفط لا يقدم أي إيضاحات أو حلول، والسلطة المحلية تتعامل مع الأزمات بسياسة الهروب للأمام وتجاهل صرخات المواطنين. غياب الرقابة الفعالة جعل التجار وناهبي قوت الشعب يتلاعبون بالأسعار وفقاً لأهوائهم الشخصية دون خوف من رادع أو عقاب. هذا التخاذل الممنهج يساهم في خلق بيئة خصبة لليأس المجتمعي، ويؤدي إلى نتائج كارثية على السلم الاجتماعي العام. إننا بحاجة عاجلة لانتفاضة حقوقية وقانونية تطيح بكل الفاسدين والمتلاعبين بحياة الناس ومقدراتهم."
الشاب مراد قاسم (صاحب محل مطعم شعبي صغير)قال:
"مطعمي الصغير يعتمد بشكل أساسي على استهلاك الغاز المنزلي والتجاري بشكل مستمر لتقديم وجبات الفول والعدس للزبائن. مع الارتفاع المرعب في أسعار الغاز وغيابه من المحطات الرسمية، وجدت نفسي بين مخالب اختيارين أحلاهما علقم: إما إغلاق المطعم وتشريد العمال، أو رفع أسعار وجبات الزبائن. وكلا الخيارين يعنيان الخراب، لأن زبائني هم من ذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون تحمل أي زيادة إضافية. المسؤولون في الدولة يعيشون في أبراج عاجية ولا يعلمون شيئاً عن أسعار السوق أو معاناة أصحاب المشاريع الصغيرة. المحافظ غائب تماماً عن المشهد، ووزير النفط كأن الأمر لا يعنيه في شيء، وكأننا لقمة سائغة لهؤلاء الجشعين. لقد فقدنا الثقة تماماً بكل الوعود الحكومية التي تتبخر بمجرد جلوسهم على الكراسي."
الموظف المتقاعد علي حسين يقول:
"قضيت أكثر من أربعين عاماً أخدم هذا الوطن بكل إخلاص وأمانة، وكانت نهايتي أن أقف في طوابير الذل لأبحث عن أسطوانة غاز لطفلي. راتبي التقاعدي البائس لم يعد يكفي لشراء نصف أسطوانة بالسعر الجديد الذي فرضته السوق السوداء والمحطات المتواطئة. أين ذهبت ميزانية الدولة؟ وأين تذهب إيرادات ثرواتنا النفطية والغازية التي تخرج من أرضنا إلى الخارج بينما نحن نموت جوعاً وقهراً؟ وزارة النفط مشغولة بالصراعات والمصالح الشخصية وتناست تماماً واجبها الأساسي في تأمين المشتقات والغاز للمواطنين. الصمت المطبق للسلطات المحلية واللجان الشعبية يثبت أن الفساد أصبح شبكة متكاملة تحمي بعضها البعض على حساب دماء وفقراء هذا الشعب المكلوم. لم يسبق لنا أن رأينا مثل هذا الاستهتار بكرامة الإنسان وحياته."
التاجر الصغير سامي باحكيم قال:
"أنا مالك لمحل تمويني صغير، وكنت في السابق أحصل على حصتي من الغاز عبر الطرق الرسمية وأبيعها للمواطنين بسعر معقول ومربح بسيط. اليوم، تم قطع الحصص عنا نحن التجار الصغار وتحويلها حصرياً إلى محطات محددة ومعروفة بولائها لجهات نافذة تبيعها بأسعار مضاعفة. عندما سألت عن السبب، قيل لي بصراحة إن السوق أصبح حكراً على الكبار الذين يدفعون الإتاوات ويشتركون في الأرباح مع المتنفذين.
هذا الاحتكار الممنهج يقتل المنافسة الشريفة ويخلق أزمات مصطنعة بغرض ابتزاز المواطن المسكين وتجويعه. وزير النفط يغط في نوم عميق، والمحافظ لا يتدخل لأن يده مغلولة أمام طغيان هؤلاء الحيتان الجدد. نحن نعمل اليوم في بيئة تجارية ملوثة بالفساد والبلطجة الرسمية وغير الرسمية."
السيدة نوال باعباد (ربة منزل وناشطة نسوية) قالت:
"إن أزمة الغاز في عدن ليست مجرد نقص في مادة إستراتيجية، بل هي اختبار حقيقي لمدى إنسانية المسؤولين وضميرهم المهني الحي. لقد فشلت كل الأطراف المحلية والحكومية في إدارة أبسط أزمة تموينية، وتركت النساء والأطفال يعانون من جحيم البحث عن لقمة العيش ووسيلة طهيها. إعلانات المحطات التي تحدد أسعاراً مضاعفة هي وصمة عار على جبين وزارة النفط والسلطة المحلية التي تعترف بعجزها على الهواء مباشرة. أين اللجان الشعبية التي كانت تنبض بالحياة وتدافع عن حقوق الناس؟ لقد تحولت جميعها إلى هياكل كرتونية صامتة لا تسمع ولا ترى ولا تفقه شيئاً. سنستمر في رفع أصواتنا وفضح هذا الفساد المستشري حتى يستيقظ الغافلون من سباتهم العميق أو يرحلوا غير مأسوف عليهم."
الختام
في الأخير، يبدو أن عدن تسير بخطى ثابتة وواثقة نحو تحقيق الرقم القياسي العالمي في رياضة "التأمل الجماعي والهروب الكبير من المسؤولية". فوزير النفط والمعادن، حفظه الله ورعاه وأدام نومه الهانئ، يؤكد لنا يومياً أن الأحلام الطويلة والعميقة هي أفضل علاج للصداع الشعبي وأزمات الطاقة، فهو لا يحتاج إلى إزعاج نفسه بتوفير الغاز طالما أن المواطنين بإمكانهم الطهي على ضوء شمعة الأمل أو حرارة الخطب اللاسعة! أما المحافظ والسلطات المحلية واللجان الشعبية، فقد أثبتوا بجدارة فائقة كفاءتهم المنقطعة النظير في تطبيق نظرية الحكماء الثلاثة بمهارة مذهلة: لا يرون طوابير الغاز الطويلة التي تمتد من كريتر إلى صيرة، ولا يسمعون صرخات الأمهات والأيتام، ولا يتكلمون إلا عندما يتعلق الأمر بـ "قص الشريط" أو "توزيع الابتسامات" في المناسبات الرسمية. وإذا استمر هذا الأداء العبقري في التجاهل والنعاس السياسي، فلن نستغرب أبداً إذا أعلنت الحكومة قريباً عن إطلاق مسابقة رسمية لأفضل "شيف" قادر على إعداد وليمة عائلية كاملة باستخدام "البخار المطبق" أو "طاقة الصبر الجميل"، مع منح الفائز المحظوظ أسطوانة غاز فارغة كهدية تذكارية توضع في متحف العبث والتلاعب الحكومي!