يوميات الخوف .. عروس البحار وباب المندب.. رهائن في سرداب الطاعة الإيرانية
لم تعد مياه البحر الأحمر الزرقاء، ولا ذلك المضيق العريق الذي طالما تنفست عبره تجارة العالم لقرون، سوى ممرات مظلمة تعبرها رياح الوصاية الفارسية من قمم التلال المطلة على باب المندب، وصولاً إلى أزقة السواحل المنهكة، ترتسم فصول رواية أبطالها عصابة لا تملك من أمرها شيئاً سوى تنفيذ أجندة طهران العمياء.
هناك، على ضفاف التاريخ وفي أضيق ممر مائي على وجه الأرض، قررت ميليشيا الحوثي أن ترهن مقدرات شعب بأكمله، مسخّرة استراتيجية الجغرافيا اليمنية لتكون مجرد ورقة مساومة في بازار الماليين والخمينيين، غير آبهة بأنها تحفر بيدها قبرها الاقتصادي والوطني.
بوابة الابتزاز.. باب المندب، البوابة التي تربط الشرق بالغرب وتمر عبرها طاقة العالم، تحولت بين عشية وضحاها إلى سجن دولي كبير ومسرح لعراضات مسلحة تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني.
تتهدد الملاحة العالمية، وتُغلق الأبواب في وجه أرزاق الملايين، ليس دفاعاً عن قضية ولا نصرة لمستضعف، بل تلبية لتوجيهات طهران التي تريد أن تشتري وتبيع بالدم اليمني على طاولة مفاوضاتها الإقليمية والدولية.
تتوارى الميليشيا خلف خطابات خشبية وشعارات مستوردة من المفاصل الإيرانية، تتبجح زوراً بـ«السيادة والكرامة»، بينما هي في الواقع تفرّط في كل ذرة من تراب اليمن ومياهه لصالح أسيادها في قم وطهران.
إن التلويح بإغلاق باب المندب واستهداف الممر الدولي ليس سوى رقصة مجنونة على جثث الجياع، وتنفيذ حرفي لأوامر نظام يرى في الساحل اليمني منصة لإطلاق صواريخه الوهمية وميليشياته نحو ابتزاز العالم.
وبينما ترتفع أصوات الطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة الموجّهة تقنياً وعقائدياً من إيران، تتكدس الأزمات على مائدة المواطن اليمني، الذي يُعاقب في قوته ولقمة عيشه ليكون ضحية لدفع فاتورة الولاء الأعمى للولي الفقيه.
لقد تحولت الجزر اليمنية والمياه الإقليمية إلى قواعد متقدمة للحرس الثوري الإيراني، تديرها أدوات رخيصة لا يرفّ لها جفن وهي ترى الشواطئ تحترق، والسيادة تُنتهك، ومستقبل الأجيال يُباع في أسواق النخاسة الإقليمية.
تتراكم الغيوم الثقيلة فوق البحر الأحمر، وتتلاطم أمواجه بغضب عارم حيال ما لحق به من دنس التبعية وعبث الوكلاء، ويبقى المواطن اليمني الساحلي يترقب بشغف لحظة الخلاص من هذا الكابوس المزدوج: استبداد الميليشيا ووصاية إيران.
يدرك الصغير والكبير أن هذا التهريج البحري والتهديد بإغلاق المضائق لن يغيّر من حقيقة كونهم «أدوات استهلاك رخيصة» في مشروع فارسي يتهاوى تحت ضربات التاريخ والوعي الحي. ومهما طال أمد هذا الليل المصطنع بالأوامر الخارجية، فإن باب المندب والبحر الأحمر سيعودان حتماً إلى أحضان أصحابهما الشرعيين؛ ليعود شريان حياة حراً أبياً، لا يأتمر بأمر طهران ولا ينحني لسطوة الميليشيا، بل يتنفس بكرامة الهوية اليمنية الخالصة.