النفط اليمني بين موارد السيادة ورهانات التصعيد

منذ 9 ساعات
مشاركة الخبر:

في قراءة أولية لخلفيات قرار استئناف تصدير النفط وأبعاده الاقتصادية والسياسية، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، في خطاب متلفز يوم أمس الاثنين، استئناف تصدير النفط "بكل الوسائل" ابتداءً من اليوم، بعد توقف دام نحو عامين إثر الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير. وجاء القرار ليضع النفط اليمني مجدداً في قلب المواجهة بين الحكومة وجماعة الحوثي، وسط ترحيب رسمي ودعوات للاصطفاف، لكنه أثار أيضاً تساؤلات حول جدواه الاقتصادية في ظل تراجع الإنتاج إلى أدنى مستوياته التاريخية، وحول تداعياته على مسار التهدئة الهشة والجهود الأممية.
فما خلفيات هذه الأزمة؟ وأين تقع حقول النفط اليمني؟ وما حجم ما تبقى منها؟
أولاً: جغرافية النفط اليمني.. حوضان رئيسيان وموانئ متعددة
تتركز الثروة النفطية في اليمن ضمن حوضين رسوبيين رئيسيين، هما حوض السبعتين (مأرب – الجوف – شبوة)، وحوض المسيلة – سيئون (حضرموت)، إضافة إلى حقول في محافظة شبوة.
أ- حوض السبعتين (مأرب – الجوف)
يُعد هذا الحوض من أكبر المناطق المنتجة للنفط والغاز في اليمن، ويمتد في القطاعات التالية:
القطاع 18 (مأرب): أول منطقة نفطية في اليمن، مُنحت امتيازاتها لشركة هنت أويل الأمريكية (إكسون الأمريكية) عام 1982، وبدأ الإنتاج منها عام 1986، بعد اكتشاف البئر "ألف-1"، الذي تدفق بأكثر من أربعة آلاف برميل يومياً، وتوالت بعد ذلك عمليات حفر عشرات الآبار الإنتاجية من حقل ألف النفطي. ويضم هذا القطاع أكثر من 21 حقلاً للنفط والغاز، من بينها حقول أسعد الكامل، وآزال، وريدان، وألف، ودستور الوحدة، والرجاء الممتد بين القطاعين 18 و5.
القطاع S1 (دامس): أُعلن الاكتشاف التجاري فيه في أكتوبر 2003، ودخل مرحلة الإنتاج في أبريل 2004.
القطاع S2 (العقلة): اكتُشف عام 2005، ودخل مرحلة الإنتاج عام 2006.
القطاع 5 (جنة): يقع في حوض السبعتين، وشاركت في تطويره عدة شركات دولية، من بينها "توتال" الفرنسية، إلا أن عملياته توقفت منذ عام 2015.
القطاع 4 (عياد): شهد اكتشاف النفط عام 1987 بواسطة شركة تكنواكسبورت السوفيتية.
ب- قطاعات حوض المسيلة – سيئون
تضم قطاعات 14 و10 و32 و9 وغيرها.
ثانياً: موانئ التصدير.. بين الشرق والغرب
تعتمد اليمن على عدة موانئ لتصدير نفطها، توزعت بين ساحل البحر العربي والبحر الأحمر، وشكلت لعقود شرياناً رئيسياً لرفد الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة، إلا أن الحرب والهجمات على البنية التحتية أدت إلى تعطيل معظمها.
ميناء الضبة (حضرموت): يُعد من أهم موانئ تصدير النفط على البحر العربي، وقد تعرض لهجوم بطائرات مسيرة في أكتوبر 2022، ما أدى إلى توقف عمليات التصدير ومنع شحن أكثر من مليوني برميل من النفط.
ميناء النشيمة (شبوة): يُعد المنفذ الرئيس لتصدير نفط قطاع العقلة وبعض القطاعات المجاورة من حوض شبوة الفرعي، وقد صدرت عبره عدة شحنات قبل توقف الصادرات النفطية.
رأس عيسى (البحر الأحمر): كان يمثل أحد أهم مرافق تصدير النفط اليمني على البحر الأحمر، وكان يستقبل النفط القادم من مأرب عبر خط الأنابيب، كما ارتبط بالخزان العائم "صافر"، الذي ظل لسنوات جزءاً أساسياً من منظومة تصدير النفط، قبل أن يتوقف نشاطه نتيجة سيطرة جماعة الحوثي على المنطقة.
ميناء الشحر: يُصدر نفط حقول المسيلة عبر خط أنابيب يبلغ طوله نحو 137 كيلومتراً، ويعد من المنافذ المهمة لصادرات النفط الخام من محافظة حضرموت.
ثالثاً: الغاز اليمني.. ثروة معطلة
إلى جانب النفط، تمتلك اليمن ثروة غازية كبيرة تتركز في مشروع تصدير الغاز المسال من منشأة بلحاف على خليج عدن بمحافظة شبوة، الذي دُشن عام 2009 بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 6.7 ملايين طن سنوياً، وحقق في سنوات التشغيل الأولى إيرادات سنوية قُدرت بنحو أربعة مليارات دولار وفق مستويات الأسعار آنذاك.
إلا أن تصدير الغاز الطبيعي المسال توقف منذ عام 2015 مع اندلاع الحرب، وتحول مقر المشروع إلى موقع ذي استخدامات عسكرية، بينما لم تحقق الجهود الحكومية المتعاقبة الرامية إلى استئناف الإنتاج والتصدير نتائج ملموسة حتى الآن، الأمر الذي أدى إلى تعطيل أحد أهم الموارد الاقتصادية للدولة.
رابعاً: كميات الإنتاج.. من 450 ألفاً إلى نحو 50 ألف برميل يومياً
شهد الإنتاج النفطي اليمني تراجعاً دراماتيكياً خلال العقدين الماضيين. ففي ذروته عام 2007، تجاوز الإنتاج 450 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل قبيل اندلاع الحرب إلى ما بين 150 و200 ألف برميل يومياً.
أما اليوم، فتشير التقديرات المتداولة والمعلومات المتوافرة إلى أن إجمالي الإنتاج لا يتجاوز نحو 50 ألف برميل يومياً، بعائد شهري يقدر بنحو 100 مليون دولار إذا افترض متوسط سعر يبلغ 70 دولاراً للبرميل، وهو مبلغ لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية التي تعانيها البلاد أو سد العجز الكبير في الموازنة العامة.
ويقتصر الإنتاج الحالي على نحو ثلاثة آلاف برميل يومياً من بعض حقول شبوة لتغذية محطة الرئيس الكهربائية في عدن، ونحو أربعة آلاف برميل من النفط المكرر محلياً في مأرب، في حين لا يزال الجزء الأكبر من الإنتاج التجاري والصادرات متوقفاً أو محدوداً للغاية. وتشير تقديرات إلى أن اليمن فقد نحو 70% من موارده العامة نتيجة توقف صادرات النفط والغاز، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المالية العامة وسعر العملة ومستوى الخدمات الأساسية.
خامساً: خلفيات الأزمة.. اتفاق ستوكهولم وإغلاق الموانئ
يعود جذر الأزمة إلى تداعيات اتفاق ستوكهولم عام 2018، حين توقفت معركة تحرير الحديدة، مما أتاح لجماعة الحوثي الحفاظ على أحد أهم مواردها الاقتصادية، قبل أن يتوسع نفوذها لاحقاً لتمنع تصدير النفط وتفرض ضغوطاً متزايدة على الحكومة في ملفات اقتصادية أخرى. ومع تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية ومنشآت تصدير النفط، توقف التصدير رسمياً منذ أواخر عام 2022.
وجاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، ليضع النفط مجدداً في قلب المواجهة، معتبراً أن الحكومة استنفدت جهودها لدعم السلام في مواجهة رفض الحوثيين للمبادرات السياسية والاقتصادية، لكن القرار، كما يرى مراقبون، يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ قد يدفع نحو جولة جديدة من التصعيد، خصوصاً مع تزامنه مع تحركات المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بين الرياض ومسقط لاحتواء التوتر.
ولا يتعلق القرار باستعادة مورد مالي فحسب، بل يمثل أيضاً اختباراً لقدرة الحكومة على فرض سيادتها على مواردها الاقتصادية، وإرسال رسالة بأن استهداف البنية التحتية النفطية لن يؤدي إلى تعطيل دائم لقطاع الطاقة. وفي المقابل، قد تنظر جماعة الحوثي إلى استئناف التصدير باعتباره تغييراً في قواعد الاشتباك الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس على مستوى التصعيد العسكري أو على مسار المفاوضات السياسية خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار تداخل الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
سادساً: هل ينقذ النفط الاقتصاد اليمني؟
رغم الأهمية الرمزية والاستراتيجية لقرار استئناف التصدير، فإن العائد المتوقع، الذي يقدر بنحو 100 مليون دولار شهرياً وفق مستويات الإنتاج الحالية، لا يشكل سوى جزء محدود من احتياجات اليمن المالية، في ظل العجز الكبير في الموازنة، وتراجع الإيرادات العامة، وتوقف معظم الصادرات.
كما أن نجاح القرار لا يرتبط بالإعلان السياسي وحده، وإنما بقدرة الحكومة على توفير الحماية الأمنية لحقول الإنتاج وموانئ التصدير وخطوط الأنابيب، إضافة إلى تهيئة بيئة جاذبة لعودة الشركات النفطية والاستثمارات، وإيجاد تفاهمات إقليمية ودولية تضمن استمرار عمليات التصدير بعيداً عن الاستهداف العسكري.
ويبقى السؤال الأكبر: هل سينجح القرار في إعادة تدفق الإيرادات، والإسهام في صرف الرواتب وتحسين الوضع الاقتصادي، أم أنه سيدفع نحو جولة جديدة من التصعيد تعمق معاناة اليمنيين وتؤخر فرص التعافي الاقتصادي؟
وفي المحصلة، لم يعد النفط اليمني مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى ورقة سيادية وجيوسياسية تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والسياسة. ولذلك فإن مستقبل هذا القطاع لن يتحدد فقط بحجم الاحتياطيات أو مستويات الإنتاج، وإنما بقدرة الدولة على حماية منشآته، واستعادة ثقة المستثمرين، وإدارة موارده ضمن رؤية وطنية شاملة توازن بين متطلبات التنمية والاستقرار، بما يضمن أن تتحول الثروة النفطية من أداة للصراع إلى ركيزة للتعافي وإعادة بناء الدولة.

اكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز