موسم التسوق في الرياض

موسم التسوق في الرياض
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

ما إن أعلنت جماعة الحوثي الإرهابية عن نيتها فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، حتى امتلأت المنابر بالخطابات، وازدحمت منصات التواصل بالأصوات، وانطلقت الأقلام في سباق محموم للمزايدة والمتاجرة بالمواقف. وكأن البعض كان ينتظر هذه اللحظة ليفتتح موسمًا جديدًا من التسوق السياسي، لا دفاعًا عن المبادئ، بل بحثًا عن المكاسب والمنافع.

لا يختلف اثنان على أن الأذرع الإيرانية في المنطقة تمثل مشروعًا يهدد الأمن والاستقرار العربي، وأنها كانت ولا تزال سببًا رئيسيًا في إشعال الحروب، وتمزيق الدول، وإطالة أمد الأزمات، وفي مقدمتها المأساة اليمنية. كما أن أي تهديد للملاحة الدولية أو لأمن المملكة العربية السعودية هو تهديد لاستقرار المنطقة بأسرها، ويستوجب موقفًا عربيًا واضحًا ومسؤولًا.

لكن ما يثير الاستغراب، بل ويبعث على الاشمئزاز، ليس مواقف الحوثيين وحدها، وإنما أولئك المرتزقة الذين جعلوا من النفاق السياسي مهنة، ومن الابتزاز وسيلة للارتزاق، ومن دماء اليمنيين تجارة موسمية تدر عليهم الأموال والنفوذ.

هؤلاء لا يدافعون عن اليمن، ولا يحملون همّ المملكة، ولا يعنيهم أمن المنطقة بقدر ما تعنيهم حساباتهم البنكية ومصالحهم الشخصية. يتغير خطابهم بتغير الممول، وتتبدل مواقفهم بتبدل الرياح، فلا ثوابت لديهم سوى المنفعة، ولا قضية يؤمنون بها سوى استمرار تدفق الأموال.

لقد دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا لهذه النماذج الانتهازية؛ شبابٌ ضاعت أعمارهم في جبهات الحرب، وأسرٌ شردتها الصراعات، وأطفالٌ حرموا من أبسط حقوقهم، بينما يستثمر المرتزقة في استمرار المأساة، لأن السلام بالنسبة لهم يعني نهاية تجارتهم، وانتهاء موسم أرباحهم.

إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس العدو الظاهر فحسب، بل أولئك الذين يتخفون خلف الشعارات الوطنية، ويتاجرون بالقضايا المصيرية، ويحولون المواقف إلى مزادات علنية. فالوطنية ليست بيانًا يُكتب عند الحاجة، ولا خطابًا يُلقى أمام الكاميرات، بل موقف ثابت لا يُباع ولا يُشترى.

لقد آن الأوان لأن يميز الرأي العام بين أصحاب المواقف الحقيقية وأصحاب المصالح، وبين من يدافع عن وطنه بإخلاص، ومن يحترف تبديل الأقنعة كلما تغيرت وجهة التمويل. فالتاريخ لا يحفظ أسماء المتسولين على موائد السياسة، بل يخلد أصحاب المبادئ الذين لم يجعلوا من أوطانهم سلعة في سوق المزايدات.

واليوم، ومع كل أزمة جديدة، يعود موسم التسوق السياسي، لكن الشعوب أصبحت أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على كشف الأقنعة، وأقل استعدادًا لتصديق من جعلوا من النفاق والاسترزاق عنوانًا لمسيرتهم. فالأوطان تُبنى بالمواقف الصادقة، لا بالمزايدات، وتُحمى بالرجال المخلصين، لا بتجار الحروب ومواسم التسوق السياسي.