الشرعية ومليشيا الحوثي.. رقصة "المصالح" في فنادق الخارج ورهائن الجوع في الداخل
في المشهد اليمني، ثمة مسرحية تراجيدية كوميدية تُعرض منذ سنوات، أبطالها في "فنادق الخمس نجوم" خارج الحدود، وضحاياها مواطنون ينتظرون "رغيف الخبز" تحت حكم مليشيا لا تؤمن بالسلام. واليوم، نطرح السؤال الذي يتردد في الشارع بصمت مرير: لماذا لم تقم الشرعية ولو بمحاولة تحرير واحدة؟ ولماذا تُرك الداخل اليمني نهباً للمليشيا دون دعمٍ أو التفات؟
المتحدثون: شهادات من "خلف الكواليس"
"عمران الجابري" (سياسي مخضرم) قال:
"يا صديقي، أنت تطلب منا القيام بـ 'ثورة قرار'، وهل تعتقد أننا نملك ترف التفكير خارج حدود البوفيه المفتوح في فنادقنا؟ نحن نعيش في حالة من 'الجمود التاريخي' المنظم، حيث يتحول الاجتماع السياسي إلى جلسة شاي طويلة لا تنتهي إلا بتأجيل النقاط الخلافية إلى الاجتماع القادم.
السياسة عندنا هي فن تدوير الأزمات؛ نأتي بالحل، ثم نضعه في الثلاجة، ثم نخرجه بعد ستة أشهر لنعيد تسخينه. الشرعية بالنسبة لنا ليست جغرافيا، بل هي 'ميزانية سفر' و'بدل ضيافة'. هل تريد مني أن أحرر صنعاء؟ وكيف سأحررها وأنا لم أتفق بعد مع زميلي في الغرفة المجاورة على صياغة الفقرة الثانية من البيان؟ نحن لا نبحث عن انتصار، نحن نبحث عن 'توصيف وظيفي' يدوم لأطول فترة ممكنة، لأن الحسم يعني انتهاء العمل، وانتهاء العمل يعني نهاية المخصصات. صدقني، الحوثي بالنسبة لنا 'نعمة' لا نريد زوالها، فهو الذي يعطينا الشرعية للبقاء في الخارج، وبدونه سنضطر لمواجهة الشعب والخدمات، وهذا أشد علينا من ألف معركة!"
نحن نملك أبطالاً، لكننا نملك قيادة تعشق الوضع الراهن
"العميد منصور الرعد" (خبير عسكري) قال:
"عن أي تحرير تتحدث؟ التحرير يحتاج إلى قرار، والقرار عندنا يحتاج إلى 'موافقة دولية' و'ضوء أخضر' و'تنسيق أمني' وربما 'مباركة من القوى الإقليمية'. لقد حولنا جيشنا إلى 'جيش المكاتب'، حيث يتم التخطيط للمعارك على خرائط 'جوجل إيرث' ونحن نرتشف القهوة المرة. لقد تم تحويل المعارك إلى تجارة؛ هذه الجبهة للبيع، وتلك للإيجار. القائد في الميدان ينتظر إشارة، والإشارة تأتي من سياسي نسي كيف يلبس البزة العسكرية. نحن نملك أبطالاً، لكننا نملك قيادة تعشق الوضع الراهن إنهم يخافون من التحرير أكثر مما يخافون من الحوثي؛ لأن التحرير سيكشف المستور، سيكشف لماذا بقيت الأسلحة في المخازن، ولماذا صمتت المدفعية في اللحظة الحاسمة. نحن لسنا في حرب، نحن في 'عرض مسرحي' طويل، والجمهور هو الشعب الذي يدفع ثمن التذاكر من دمه، بينما الممثلون يتقاضون أجورهم بالدولار!"
الكل فيها رابح باستثناء المواطن
"صقر العولقي" (رجل أعمال) قال:
"السياسة هي أفضل استثمار في اليمن اليوم. لماذا أستثمر في مصنع بينما يمكنني الاستثمار في 'شرعية'؟ نحن ندفع 'الإتاوات' للجميع؛ للحوثي في صنعاء وللشرعية في عدن، وفي النهاية نرفع الأسعار على المواطن الغلبان. الشرعية هي عباءة جميلة نغطي بها صفقاتنا. هل تعتقد أن هناك مخرجاً سياسياً؟ بالطبع لا، فالمخرج السياسي يعني شفافية، والشفافية تعني السجن لثلاثة أرباع الطبقة الحاكمة. نحن نبني أبراجاً في الخارج، وندعي أننا نبني الدولة في الداخل. الشعب يطالب بالتحرير؟ دعه يطالب، فالمطالبة غذاء الروح، أما الواقع فهو 'بيزنس' لا يعرف الوطنية. نحن نعيش في 'دولة الفنادق'، حيث نتبادل الأدوار؛ اليوم أنت في السلطة وتسرق، وغداً أنا في المعارضة وأصرخ باسم 'الوطن المسلوب'. إنها لعبة دائرية جميلة، والكل فيها رابح، باستثناء هذا المواطن الذي ما زال يظن أن هناك 'دولة' ستعود يوماً."
الفندق هو منبرنا، والمال هو محركنا
"فارس نبيل" (كاتب تقارير إعلامية)قال :
"مهمتي هي تجميل القبيح، وتغليف الفشل بكلمات رنانة مثل 'الاستراتيجية'، 'الحنكة'، و'المسار الدبلوماسي'. عندما يطلب مني الجمهور مقالاً عن 'التحرير'، أكتب لهم عن 'تحديات المرحلة' و'تعقيدات المشهد الإقليمي'. هذه المصطلحات هي 'المسكن' الذي نخدع به الشعب. نحن نعرف أن لا شيء سيحدث، ونعرف أن الشرعية 'مقيدة' ليس بمليشيا الحوثي، بل بقيود صنعناها بأيدينا. لكن، هل يمكنني قول الحقيقة؟ لا، فالحقيقة 'خيانة وطنية' في عرفنا، والصدق 'إرباك للمشهد'. نحن جزء من هذه المنظومة التي تحولت إلى 'آلة تخدير' جماعية. الحوثي يسيطر، ونحن نكتب تقارير عن 'انتصارات وهمية' في جبهات خاملة. الفندق هو منبرنا، والمال هو محركنا. نحن لا نصنع وعياً، نحن نصنع 'تغييباً' منظماً تحت شعار 'توحيد الصفوف'."
الشرعية ومليشيا الحوثي يستخدمونها كوقود للبقاء
"سالم الكبسي" (مواطن من صنعاء) قال:
"نحن ننتظر شرعيةً تدعمنا، وإذا بها تتركنا في فك المليشيا. لماذا لا نرى دعماً حقيقياً؟ لماذا لا يمدون يد العون لأي صوت حر في صنعاء؟ الحقيقة هي أن الشرعية لا تريد 'منافسين' في الداخل، فهي تخاف أن يبرز بطل شعبي أو تيار حقيقي يزيحها كما يزيح الحوثي. إنهم يفضلون المليشيا على أن تظهر قوة وطنية جديدة خارجة عن سيطرتهم. نحن هنا نعيش تحت مقصلة 'الأمن الوقائي'، والشرعية تتفرج من خلف الشاشات وتصدر بيانات إدانة بائسة. أي تحرير هذا الذي لا يبدأ بدعم الناس في بيوتهم؟ إنهم يتركوننا نهباً للجوع والقمع لكي لا نكون بديلاً حقيقياً. الشرعية والحوثي وجهان لعملة واحدة؛ كلٌ منهما يستخدمنا كـ 'وقود' للبقاء في مناصبهم أو سلطتهم، بينما نحن ننتظر موتنا اليومي بصمت، ولا نرى من 'الشرعية' إلا الوعود الكاذبة."
دولة قوية' في اليمن خطر على التوازنات التي نتمسك بها
"ديفيد ويست" (مراقب دولي سابق) قال:
"اسمع، الوضع في اليمن ليس كما يظنه الناس. نحن لا نريد 'التحرير'، نحن نريد 'الإدارة'. اليمن بلد لا يمكن تركه يسقط، لكن لا يمكن السماح له بالنهوض أيضاً. المعادلة بسيطة: الحوثي يحفظ التوازن، والشرعية تحفظ الشكل القانوني. طالما أن الطرفين في حالة 'جمود'، فالأمور تحت السيطرة. 'دعم معارضين'؟ هذا يعني الفوضى، ونحن نكره الفوضى. 'الشرعية' خائفة من دعم الداخل لأنها ببساطة لا تملك استراتيجية، وكل محاولة لدعم المعارضين في الشمال ستكشف ضعف أجهزتها الاستخباراتية. استمروا في الفنادق، استمروا في البيانات، استمروا في التغريدات.. المهم ألا تحاولوا حقاً استعادة الدولة، لأن 'دولة قوية' في اليمن هي خطر على التوازنات التي نتمسك بها، وهذا هو السر الذي لا يجرؤ أحد من مسؤوليكم على قوله لكم."
ختام: الحقيقة العارية
في نهاية هذا التحقيق، تتكشف الحقيقة المرة التي لا يراد لنا سماعها: الشرعية لا تقف مقيدة لأنها عاجزة، بل لأنها خائفة من الحسم. الحسم يعني نهاية المزايا، يعني العودة إلى أرض الواقع، يعني المساءلة عن مليارات تبخرت، يعني مواجهة شعب لن يغفر لمن خذله. الشرعية لا تدعم المعارضين في الشمال لأنها لا تريد "شريكاً" في التحرير قد يشاركها السلطة لاحقاً. لقد تحول الوطن إلى "مشروع استثماري" طويل الأمد، حيث الحوثي يمارس القمع، والشرعية تمارس "التواطؤ بالصمت"، والنتيجة هي بقاء اليمن رهينة لهذه المعادلة.
إن الحقيقة التي يخشون مواجهتها هي أن "فنادق الخارج" و"سجون الداخل" هما طرفا نفقٍ لا نهاية له، ما لم يقرر الشعب أخيراً أن يسحب البساط من تحت الجميع