"ديمة.. وخلفنا بابها": عندما تتحول التعيينات إلى ترقيات للفاسدين ومكافآت للناهبين

"ديمة.. وخلفنا بابها": عندما تتحول التعيينات إلى ترقيات للفاسدين ومكافآت للناهبين
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​تتوالى القرارات التي لا تغير في الواقع إلا أسماء من يجلسون على كراسي النفوذ، بينما يظل جوهر الفساد ثابتاً لا يتزحزح، كأنها مسرحية هزلية يُعاد عرضها على مسامع المواطن المكلوم. في دهاليز السلطة، أصبحت التعيينات "تصفية حسابات" أو "مكافآت ولاءات" بعيداً عن معايير الكفاءة أو النزاهة، حتى صار المسؤول الذي تثبت تورطه في ملفات نهب أو إهمال، يستيقظ في اليوم التالي ليجد نفسه مرقياً في منصب أعلى أو منقولاً إلى مؤسسة أخرى لتكملة مسيرة "الإنجاز" في الإثراء غير المشروع.
هذه السياسة التي تتبع مبدأ "ديمة وخلفنا بابها" -أي بقاء الحال على ما هو عليه رغم التغيير الظاهري- خلقت بيئة خصبة لنمو طفيليات الفساد، حيث أصبحت الحماية التي يتمتع بها المسؤول الطالح تتناسب طردياً مع حجم ما ينهبه من موارد الدولة.
لقد فقد المواطن الثقة في هذه التغييرات، معتبراً إياها مجرد تدوير لنفس الأدوات التي أمعنت في تجويعه، بينما تقف الجهات الرقابية متفرجة، أو ربما شريكة في هذا العبث الذي ينخر في عظام الدولة ويجعل من خزانتها العامة مباحة لمن يمتلك "الواسطة" أو "الحصانة".

​أصوات من وراء جدران المحسوبية:

"صالح" (موظف إداري مخضرم) قال:
"منذ ثلاثين عاماً وأنا أراقب كواليس التعيينات، وما نراه اليوم يتجاوز كل حدود المعقول. لقد أصبح المنصب العام سلعة تُباع وتُشترى، أو تُمنح لشخصيات أثبتت جدارتها في نهب المال العام. المضحك المبكي أننا نشهد مسؤولاً يُعفى من منصبه بسبب فضيحة فساد مدوية، لنفاجأ بعد أسبوعين بقرار جمهوري أو وزاري بتعيينه في منصب أهم.
هذه ليست مجرد أخطاء إدارية، بل هي منظومة متكاملة لحماية اللصوص، فالمسؤول الذي يسرق أكثر يحصل على حماية أكبر، ومن يرفض الانصياع لأوامر النهب يُبعد ويُهمش. لم يعد التعيين بناءً على سيرة ذاتية أو سجل نظيف، بل بناءً على ما يمكن لهذا الشخص أن يجلبه من أرباح غير مشروعة لمن يحميه في الأعلى."

غياب المحاسبة هو الوقود الحقيقي لآلة الفساد
​ "هناء" (باحثة اقتصادية)تقول: 
سياسة تدوير المسؤولين في حكومتنا تشبه تماماً محاولة تنظيف المحيط بملعقة بينما تسكب ناقلات النفط حمولتها فيه. إن غياب المحاسبة هو الوقود الحقيقي لآلة الفساد؛ فالمسؤول يدرك أنه مهما بلغت مخالفاته، فلن يُساءل، بل سيُكافأ بنقله إلى منصب يتيح له فرصاً أكبر للنهب. 
هذا التدوير يهدف إلى تشتيت الانتباه عن الجرائم السابقة وتدوير الأدوات ذاتها لضمان استمرار مصالح القوى المتنفذة. لقد فقدنا بوصلة العدالة الإدارية، وأصبح المواطن البسيط هو من يدفع ثمن هذه التعيينات العبثية التي تزيد من تضخم الفساد وانهيار مؤسسات الدولة، بينما يغرق الاقتصاد في دوامة من العجز والنهب الممنهج."

حصانة الفساد 
​ "أحمد" (ناشط حقوقي) قال: 
"نحن نواجه ظاهرة 'حصانة الفساد'، حيث أصبح المسؤول بمجرد دخوله في دائرة المحميين، يتمتع بضوء أخضر لفعل ما يشاء. إن القرارات التي تصدر بتعيين أشخاص تحوم حولهم شبهات فساد ضخمة هي رسالة استهزاء بمشاعر المواطنين، وتأكيد على أن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء. أين هي التحقيقات؟ وأين نتائج لجان المساءلة؟ كل ما نراه هو استبدال مسؤول بآخر أكثر براعة في التغطية على جرائمه. لقد أصبح المنصب العام وسيلة لجمع الثروة وليس لخدمة الوطن، والتعيينات ما هي إلا 'توزيع غنائم' بين أطراف النفوذ، ونحن كحقوقيين نوثق هذه التجاوزات، لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي في ظل غياب أي سلطة رقابية مستقلة."

هذه القرارات هي طعنة في ظهر التنمية،
​"سالم" (مقاول متضرر) قال: 
"عانيت لسنوات من الابتزاز داخل المؤسسات الحكومية، حيث يُطلب منك دفع 'عمولات' لتمرير معاملات بسيطة. الأخطر هو عندما تشتكي على مسؤول، فتكتشف لاحقاً أن من تشتكي إليه هو شريك المسؤول في هذا النهب. التعيينات عندنا لا تعتمد على الكفاءة، بل على مدى قدرة الشخص على 'تأمين الحماية' لأسياده. لقد رأيت بأم عيني مسؤولاً يُنقل من وزارة كانت ميزانيتها تضيع في جيبه، ليصبح وزيراً في قطاع أكثر حيوية. هذه القرارات هي طعنة في ظهر التنمية، وهي تحول الدولة إلى 'عزبة' خاصة، والنتيجة هي هذا التدهور الذي نعيشه في كل الخدمات العامة، بينما يزداد 'الحيتان' ثراءً على حساب قوت الشعب."

نعيش في حالة من الإحباط الجماعي
​"فاطمة" (مواطنة متقاعدة) قالت: 
"يؤلمني أن أرى بلادي تدار بهذه الطريقة، وكأنها تركة ورثها هؤلاء المسؤولون. في السابق، كانت المعايير للتعيين واضحة وتعتمد على الخبرة والتاريخ النظيف، أما الآن، فقد صار 'الفساد' هو المؤهل الوحيد للترقية. المسؤولون لا يخافون الله ولا يحترمون القانون، لأنهم يدركون أن خلف كل باب مُغلق، هناك من يحميهم. 
يا ولدي، هذا هو حالنا؛ قرارات تظهر ثم تتلاشى آثارها، ويبقى اللص في موقعه ينهب ويسرق، والناس تسأل: متى يحين دور المحاسبة؟ نحن نعيش في حالة من الإحباط الجماعي، لأننا نرى الفاسدين يزدادون نفوذاً وفساداً، بينما يطالبوننا بالصبر على نتائج نهبهم الذي لا يتوقف."

​خاتمة:
​إن استمرار هذا المسلسل الهزلي من التعيينات دون حسيب أو رقيب يثبت أن مؤسساتنا قد تحولت إلى حلقة مغلقة تتبادل فيها الأدوار ذات الوجوه التي أثقلت كاهل الدولة. 
إن التعيين الذي لا يستند إلى الكفاءة والنزاهة، ويُتخذ بعيداً عن أروقة المحاسبة القانونية، ليس سوى شرعنة للفساد وتكريس للهيمنة. لا يمكن بناء دولة بينما يتم مكافأة المفسدين بتدويرهم في مناصب أكبر، فالمحاسبة هي الصمام الوحيد لاستقامة الإدارة، وبدونها ستظل هذه القرارات مجرد صفقات خلف الأبواب المغلقة.
على صناع القرار أن يدركوا أن غضب المواطن حين ينفجر، لن يفرق بين مسؤول قديم وآخر جديد، فكلاهما في ميزان الشعب سواء. آن الأوان لوقف هذا العبث، وإخضاع الجميع للمساءلة، فالدولة ليست غنيمة ليتم توزيعها، والمسؤولية أمانة لا يتحملها من استمرأ النهب وأدمن على حصانة الفساد، فالتغيير الحقيقي يبدأ بالمحاسبة، لا بالتدوير.