الحديدة بين "جمود ستوكهولم" و"حركية الميدان"
بعد مرور قرابة عقد من الزمن على انطلاق العمليات العسكرية في الساحل الغربي، تبدو الحديدة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، محورًا للثقل الاستراتيجي، ليس فقط كمدينة ساحلية، بل بوصفها "العصب المالي" و"شريان الإمداد" الحيوي لمليشيا الحوثي.
إن التحركات الحالية في تعز والجوف تفتح نافذة استراتيجية أمام قوات طارق صالح والعمالقة لإعادة قراءة المشهد الميداني.
- ما الذي يجب على القوات المشتركة فعله؟
للاستفادة من هذه الفرصة، يتطلب الموقف العسكري التحول من حالة "تأمين المواقع" إلى "استباق التحركات"، وذلك عبر:
تفعيل الضغط النوعي:
لا يتطلب تحرير الحديدة بالضرورة هجومًا شاملًا وفوريًا، بل عمليات "جراحية" تستهدف خطوط الإمداد التي تربط الحديدة بصنعاء وتعز. إن قطع هذه الشرايين يضع المليشيا في موقف دفاعي يفقدها القدرة على المناورة بين الجبهات.
خلق حالة "اللااستقرار" للمليشيا:
الاستمرار في إشغال مليشيا الحوثي في أطراف الحديدة (خارج نطاق اتفاق ستوكهولم)، بما يمنعها من سحب المزيد من المقاتلين لتعزيز جبهاتها المنهكة في الجوف ومأرب.
التحالف مع الحاضنة التهامية:
استعادة الثقة مع سكان تهامة هي المفتاح الذهبي. وأي تحرك عسكري يجب أن يتبعه تأمين إداري وخدمي للمناطق المحررة، لتكون نموذجًا نقيضًا لما تعيشه المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
- التحديات السياسية: هل الحديدة مجرد معركة عسكرية؟
إن الحديدة ليست مجرد أرض وميناء، بل هي ملف دولي معقد.
معضلة ستوكهولم:
لا تزال المظلة الأممية تشكل قيدًا سياسيًا. وتقف القوات المشتركة أمام موقف دقيق، إذ إن أي خرق واسع لاتفاق ستوكهولم قد يواجه بضغوط دولية مكثفة تحت ذريعة "الحفاظ على الممر الإنساني".
الرؤية لما بعد التحرير:
التحدي الأكبر ليس في السيطرة العسكرية، بل في الإدارة المدنية. ويجب أن تكون هناك خطة جاهزة لضمان عدم حدوث فراغ أمني أو انهيار في تدفق المساعدات، وهو ما ستُحاسَب عليه القوات دوليًا وإقليميًا.
- تقييم الفرصة: لماذا الآن؟
أثبتت عشر سنوات من الحرب أن مليشيا الحوثي لا ترضخ للتفاوض إلا عندما تلمس تهديدًا وجوديًا لمصادر تمويلها.
تفتيت الجهد الحوثي:
إن اضطرار المليشيا إلى سحب قواتها من معسكرات استراتيجية، مثل ماوية، يعد دليلًا على تآكل قدرتها البشرية.
المبادرة النوعية:
تمتلك القوات المشتركة اليوم تنظيمًا عسكريًا أكثر تماسكًا وتدريبًا مقارنة بمراحل الحرب الأولى، ما يجعلها قادرة على تنفيذ عمليات خاطفة بدلًا من خوض حروب جبهوية طويلة.
- الخلاصة: "الحرب بالنيابة عن المصلحة الوطنية"
يجب أن تدرك قيادات الساحل الغربي أن "الفرصة الذهبية" لا تكمن في فتح معركة شاملة قد تجر ضغوطًا دولية غير مرغوبة، بل في "تضييق الخناق" الاستراتيجي.
إن أي خطوة عسكرية ذكية نحو الحديدة يجب أن تكون مغطاة سياسيًا بتأكيد الالتزام بالجانب الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بالميناء، وميدانيًا عبر ضرب مراكز الثقل التي تغذي جبهات المليشيا في الداخل.
وإذا تمكنت القوات المشتركة من تحييد التهديد العسكري لمليشيا الحوثي في مناطق الساحل، مع إظهار جاهزية حقيقية لإدارة المدينة، فقد يتحول الضغط العسكري إلى ورقة تفاوضية قوية، تنهي حالة الاستعصاء التي استمرت طوال السنوات العشر الماضية.