شباح في رداء "الوزراء" كيف تبيع وزارة السياحة الوهم في بلد بلا سياح؟

شباح في رداء "الوزراء"  كيف تبيع وزارة السياحة الوهم في بلد بلا سياح؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

صندوق "تشجيع السياحة".. بقرة حلوب للنافذين


​يمتلك هذا البلد كل مقومات الدهشة؛ لديه جبالٌ تطاول السماء غيمًا وخُضرة، وشواطئ بكر يغازل رملُها الفيروز، ومدنٌ أثرية تنطق جدرانها بالتاريخ وتتنفس عبق الحضارات الغابرة. 
هنا، في كل شبرٍ حكاية جاهزة لتروى، ومَعلَمٌ يسلب لبّ السائحين. ولكن، خلف هذا الستار الفتن، تقبع حقيقة مُرّة كالعلقم: الفنادق خاوية على عروشها، المزارات الأثرية ينهشها الإهمال والنسيان، والطرقات المؤدية إلى الجمال محفوفة بالمخاطر.
​في المقابل، هناك في المكاتب المكيفة والمباني الفارهة، تقع "وزارة السياحة"؛ وزارةٌ كاملة الأركان، بميزانيات ضخمة، وجيوش من الموظفين، وبعثات ديبلوماسية تشارك في مؤتمرات دولية لـ"ترويج" بلدٍ لا تدخله تأشيرة سياحية واحدة! إنه تحقيق في كواليس "الفساد السياحي" في بلدٍ غابت عنه السياحة وحضرت فيه الميزانيات.
​المفارقة الصادمة: جغرافيا ساحرة وإدارة عاقر

​تتحول المقارنة بين ما تملكه البلاد وما تقدمه الوزارة إلى تراجيديا مضحكة مبكية. يتوزع هذا التناقض الصارخ على مسارين:

​طبيعة تنبض بالحياة

نملك ثروة سياحية لو أُتيحت لها إدارة رشيدة لكانت المورد الأول للاقتصاد الوطني، بدءاً من السياحة العلاجية، مروراً بسياحة المغامرات، وصولاً إلى السياحة الثقافية والتاريخية.

​وزارة تسكن "المنفى الإداري"

على الجانب الآخر، تعمل الوزارة بعقلية "الجباية والمحاصصة". مكاتبها تعج بموظفين لا يملكون خطة عمل واحدة، وقصارى جهدهم إعداد تقارير دورية منسوخة من سنوات سابقة، تُرفع للجهات العليا لإثبات "الوجود الوهمي".

​الثقوب السوداء: أين تبخرت مخصصات "الترويج"؟

​حين تتبعنا الوثائق ومصادر الإنفاق داخل أروقة الوزارة، تكشفت لنا مسارب عجيبة تُهدر فيها الأموال العامة تحت مسميات براقة، والبلاد في غنى عنها:

​1. مهرجانات "الظل" والمؤتمرات المخملية

​تُظهر بنود الصرف السنوية استهلاك مبالغ فلكية تحت بند "المشاركة في المعارض الدولية والترويج السياحي الخارجية". يسافر كبار مسؤولي الوزارة برفقة حاشية مقربة إلى عواصم أوروبية وعربية، لحضور مؤتمرات ومعارض، وتُصرف لهم بدلات سفر وتنقّل بالعملة الصعبة. والنتيجة؟ يعود الوفد بحقائب مليئة بالصور التذكارية، دون أن يطأ قدم سائح أجنبي أرض البلاد؛ لأن البنية التحتية الأساسية في الداخل منهارة أصلاً!

​2. صندوق "تشجيع السياحة".. بقرة حلوب للنافذين

​أُنشئ هذا الصندوق ليكون رافداً لتطوير المواقع الأثرية، وترميم الحصون والمدن التاريخية التي تتهدم بفعل العوامل الطبيعية والإهمال. لكن الواقع يقول إن أموال هذا الصندوق تحولت إلى "مكافآت استثنائية" للمدراء، وتمويل مشاريع وهمية على الورق فقط (كتدريب مرشدين سياحيين لقطاع غير موجود، أو طباعة بروشورات فاخرة تُخزن في المستودعات حتى يأكلها الأرضة).

​3. الجبايات وتطفيش "المستثمر المحلي"

​في بلدٍ يغيب عنه السائح الأجنبي، يحاول بعض المستثمرين المحليين إنعاش السياحة الداخلية بإنشاء منتجعات أو فنادق صغيرة. هنا يظهر دور الوزارة "المُعطّل"؛ حيث تُفرض على المستثمر ترسانة من الرسوم والضرائب والجبايات غير القانونية تحت مسمى "تجديد تراخيص"، بدلاً من تقديم تسهيلات وإعفاءات تشجيعية، مما يدفع رأس المال الوطني للهروب إلى الخارج.

​شهادات من الميدان
الآثار تبكي والمسؤولون يبتسمون

​يقول أحمد عبدالرحمن وهو باحث في الآثار التقيناه بالقرب من أحد الحصون التاريخية المهددة بالانهيار:
​"نخاطب الوزارة منذ سنوات لإنقاذ هذا المعلم الذي يعود لآلاف السنين، والرد دائماً: 'لا توجد ميزانية'. لكننا نرى في الأخبار أن وفد الوزارة شارك في منتدى سياحي دولي بتكلفة كفيلة بترميم عشرة حصون كبرى. إنهم يرممون جيوبهم ويهدمون تاريخنا".

​وفي قطاع الفندقة، يتحدث صاحب وكالة سفر وسياحة فضّل علي عزيز  بحرقة:
​"الوزارة تطالبنا برسوم سنوية ثقيلة . نسألهم: أين السياح الذين جلبتموهم لنا لنكسب ونعطيكم؟ لا نجد جواباً. السائح هنا يعامل كأنه مغامر يمر بحقل ألغام، لا تسهيلات في التأشيرات، ولا حماية أمنية، ولا طرقات صالحة للاستخدام".


حين تصبح الوزارة عبئاً على الجمال

​إن الفساد في وزارة السياحة لا يقاس فقط بالأموال المنهوبة، بل بـ "الفرص الضائعة" على وطن ينزف اقتصادياً، بينما ينام على كنوز لو استُغلت لغيرت وجه الحياة فيه.
​إن بقاء هذه الوزارة كهيكل بلا روح، يستنزف خزينة الدولة لإرضاء شبكة من المنتفعين والمقربين، هو جريمة بحق الجغرافيا والتاريخ.

الحل لا يكمن في تغيير الوجوه، بل في نسف هذه العقلية البيروقراطية الفاسدة، وتحويل السياحة من "ملف للمحاصصة السياسية" إلى مشروع وطني حقيقي يبدأ بإصلاح الأرض أولاً، قبل دعوة الناس للتحليق في سماء الوهم