من لم تحرقه نار طهران اليوم سيكتوي بأذرعها غدًا
لم يعد خطر الحوثي شأنًا يمنيًا داخليًا يمكن اختزاله في كونه مليشيا متمردة على الدولة، بل تحوّل إلى رأس حربة لمشروع إقليمي تقوده إيران؛ مشروع لا يعترف بالحدود، ولا يحترم سيادة الدول، ويرى في العالم العربي ساحة مفتوحة للفوضى والتوسع.
ما يجري في البحر الأحمر، وما يلوّح به الحوثي من تهديد السعودية وإغلاق مضيق باب المندب، رسالة واضحة بأن هذه الذراع باتت مستعدة لابتزاز العالم، من دول الجوار إلى القوى الدولية، مستخدمة الجغرافيا اليمنية كورقة ضغط، والتجارة العالمية كأداة مساومة.
الحوثي ليس كما يدّعي أنه يقاتل من أجل اليمن أو يرفع أسطوانة "محور الشر" نصرةً لغزة، بل أداة تنفّذ إرادة طهران وتتحرك وفق أجندتها. ومن يعتقد أن صواريخه وطائراته المسيّرة محصورة داخل الجغرافيا اليمنية فهو واهم؛ فهذه الجماعة تجاوزت حدودها، واستهدفت دولًا في الخليج العربي، ووسّعت تهديدها ليطول الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها باب المندب، بما ينعكس مباشرة على أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
المعادلة باتت واضحة: حيثما يتمدد النفوذ الإيراني، تتآكل الدولة الوطنية، وتضعف مؤسساتها، وتتسع دوائر الفوضى. العراق يعاني من الانقسام، وسوريا أنهكتها الحرب، ولبنان يعيش اختلالًا عميقًا، واليمن يُستنزف… وكل ذلك تحت شعارات براقة تخفي مشروعًا توسعيًا عابرًا للحدود.
اليوم يقف الحوثي على ضفاف البحر الأحمر ملوّحًا بتهديد أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وغدًا، قد تتسع دائرة الخطر إذا استمر الصمت أو التقليل من خطورته.
فالتجارب أثبتت أن تجاهل الأزمات في بداياتها يمنحها فرصة للتمدد، حتى تتحول إلى تهديد يصعب احتواؤه.
الخطر لم يعد نظريًا، بل واقع تُقاس تداعياته بالخسائر الاقتصادية واضطراب حركة التجارة الدولية. وما تخسره بعض الدول اليوم، قد يتضاعف غدًا إذا استمر هذا الوضع دون معالجة حقيقية، وفي ظل غياب تحرك جماعي داعم لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها.
إن من يعتقد أن النار ستبقى بعيدة عنه، عليه أن يعيد النظر في تجارب دول كانت تنعم بالاستقرار قبل أن تمتد إليها أزمات الإقليم. فالنيران تبدأ بشرارة، ثم تتحول إلى حريق لا يُبقي ولا يذر.
الرسالة هنا ليست للتهويل، بل للتحذير: الخطر لم يعد محليًا، بل إقليمي بامتياز، ويتطلب موقفًا حازمًا ورؤية واضحة قبل أن تتسع دائرته.
وتبقى الحكمة أصدق تعبير:
"ما أصبح في جارك… أمسى في دارك".