الحرب بين التكنولوجيا والأيديولوجيا
يبدو أن العالم يقف اليوم أمام حرب جديدة؛ حرب بين التكنولوجيا تقودها أمريكا وإسرائيل، وبين الأيديولوجيا تقودها إيران. حرب بين الذكاء الاصطناعي الذي تتحكم به الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وبين الأيديولوجيا الدينية التي تقودها العواطف والانفعالات والشعارات. حرب بين قوة تكنولوجية مفرطة لم تمتلكها أي سلطة بشرية عبر التاريخ، لديها القدرة على مسح جغرافيا العدو من الخارطة، وبين قوة أيديولوجية دينية لديها عقيدة قتالية تصل حد الفداء والتضحية غير آبهة بالموت.
حرب بين قوة تكنولوجية تقصفك من الجو ومن البحر بدقة عالية وحسابات هندسية وفضائية غير قابلة للخطأ، وبين قوة أيديولوجية دينية تمتلك جيوشًا بشرية عقائدية على الأرض، لديها الاستعداد للقتال حتى الموت، لكنها تتلقى الضربات من الجو والبحر دون أن تشاهد جيوش العدو.
كل ذلك يجعلنا نقف أمام حرب غير متكافئة لمصلحة التكنولوجيا، وفي غير مصلحة الأيديولوجيا. ولا يستطيع أحد أن ينكر بأن القوة الأيديولوجية الإيرانية عملت جاهدة خلال الفترة الطويلة الماضية على تطوير ترسانتها العسكرية، كما عملت على تطوير الصناعات العسكرية والتكنولوجية وصولًا إلى صناعة الصواريخ الباليستية والطيران المسير، لكنها لا ترتقي إلى مستوى أي نوع من التنافس مع التفوق التكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي الذي فاق كل التوقعات والحسابات، خصوصًا في المجال العسكري.
وبدون شك، فإن حصول النظام الأيديولوجي الديني الإيراني على بعض صور التكنولوجيا في مجال التصنيع العسكري هو ما شجعه على نشر أفكاره الأيديولوجية والدينية في بعض دول المنطقة، وخصوصًا العربية منها، عبر قوى دينية محلية تتوافق معه في الأيديولوجيا، من خلال تقديم مختلف أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والتدريبي والعسكري وحتى التكنولوجي.
وبذلك تحول النظام الإيراني الأيديولوجي من نظام ديني محلي إلى نظام أيديولوجي إقليمي، يمتلك قوات عسكرية متطورة في المجال الصاروخي والطيران المسير، ويمتلك حلفاء أيديولوجيين يسيطرون على العديد من الدول لتصبح جزءًا من هذا المشروع الديني الأيديولوجي، كما أصبح يمتلك مجالًا جغرافيًا وحيويًا واسعًا ليغدو قوة عسكرية صعبة في معادلة الشرق الأوسط.
هذا التحول جعل القوة التكنولوجية الأمريكية والإسرائيلية تستشعر خطورة هذه القوة الأيديولوجية الدينية الصاعدة وحلفائها في المنطقة، لأنها ترى أنه لا يوجد خطر أكبر من ظهور قوة أيديولوجية دينية تمتلك قوة عسكرية كبيرة، ولديها دول وقوى متحالفة معها وتمتثل لتوجيهاتها وقراراتها.
نعم، في غفلة من الزمن وجدت القوة التكنولوجية الأمريكية والإسرائيلية المتفوقة نفسها أمام خطر حقيقي يتمثل في بروز إيران كقوة أيديولوجية دينية إقليمية تمتلك قوات كبيرة وتصنيعًا عسكريًا وحلفاء مخلصين وأيديولوجيا دينية مترابطة ومتماسكة. قوة تتوسع كل يوم وتنشر عقيدتها الأيديولوجية باستمرار، وتتدخل في تغيير قواعد اللعبة في المنطقة والعالم.
وما زاد شعور أمريكا وإسرائيل بخطر القوة الأيديولوجية الإيرانية هو تحالفها مع قوى عظمى مؤثرة كالصين وروسيا، وحصولها على الكثير من صور الدعم التقني والتكنولوجي في مجال التصنيع العسكري. لأن إيران بذلك قد تتحول من قوة أيديولوجية دينية إلى قوة أيديولوجية وتكنولوجية في آن واحد.
وحينها ستصبح قوة ضاربة من الصعب مواجهتها، لأن القوة التكنولوجية وحدها لن تتمكن من هزيمة قوة تجمع بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا. لذلك لم يكن أمام القوة التكنولوجية الأمريكية والإسرائيلية – بحسب هذه القراءة – سوى إعلان الحرب من أجل القضاء على القوة الأيديولوجية الإيرانية قبل حصولها على التكنولوجيا الصاروخية والنووية المتطورة، أي قبل وقوع الفأس في الرأس.
فمن الصعب جدًا – عند امتلاك إيران للتكنولوجيا العسكرية والنووية المتقدمة – مواجهة قوة أيديولوجية تمتلك هذه القدرات، لأن المواجهة حينها ستكون باهظة الكلفة ومكلفة إلى حد كبير، بعكس المواجهة اليوم مع قوة أيديولوجية ما تزال في طور الاقتراب من امتلاك تلك التكنولوجيا.
وبحسب هذه المؤشرات، فإن خوض القوة التكنولوجية الأمريكية والإسرائيلية الحرب ضد القوة الأيديولوجية الإيرانية في هذا التوقيت يبدو قرارًا مصيريًا واستراتيجيًا مدروسًا بعناية، لتفادي حرب أكبر وأشرس في المستقبل، حرب قد تكون كارثية ومدمرة وغير محسوبة العواقب.
لأن اجتماع الأيديولوجيا مع التكنولوجيا يشكل قوة خطيرة ومرعبة، فالقوة الأيديولوجية – خاصة إذا كانت ذات نزعة متطرفة وتمتلك مشروعًا توسعيًا – لن تتردد في استخدام التكنولوجيا المتقدمة في سبيل نشر أيديولوجيتها وفرضها بالقوة.
لهذا لا يستغرب أحد حين يسمع القيادات السياسية والعسكرية الأمريكية والإسرائيلية وهم يتحدثون عن حرب مصيرية ودفاعية ضد القوة الأيديولوجية الإيرانية قبل حصولها على التكنولوجيا العسكرية والنووية.
نعم، هكذا يقرأ الأمريكيون والإسرائيليون المشهد. وهذا ما دفعهم – بحسب هذه الرؤية – إلى التحرك عسكريًا ضد إيران قبل اكتمال تحولها إلى قوة تجمع بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا.
ويبدو أن النشوة الإيرانية نتيجة نجاحها في نشر أيديولوجيتها في عدد من دول المنطقة، ونجاح مشروعها التوسعي في التأثير على القرار السياسي في بعض هذه الدول، إلى جانب بناء تحالفات قوية مع دول عظمى، واقترابها من امتلاك التكنولوجيا النووية، قد دفعتها إلى إعلان التحدي لأمريكا وإسرائيل دون اكتراث كبير بالنتائج.
ويبدو أن هذه هي الغلطة القاتلة التي وقع فيها النظام الأيديولوجي الديني الإيراني، وهو ما يدفع اليوم القوة التكنولوجية إلى إعلان الحرب عليه بهدف القضاء طموحاته المستقبلية.