بقايا حلم مقتول!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يكن الحلم عصيًّا على التحقيق، ولم تكن التضحيات قليلةً إلى الحد الذي يعجز معه الوطن عن النهوض. لكن شيئًا ما كان يحدث خلف الستائر؛ فكلما اقتربت الخطوات من الغاية، ظهرت طرقٌ جانبية، وكلما ظنّ الناس أن النهاية باتت وشيكة، اكتشفوا أن الطريق أُعيد رسمه بما يناسب حساباتٍ لا تشبه أحلامهم.
قيل لهم إن المعركة من أجل استعادة البيت، فخرجوا يدافعون عن أبوابه، ولم ينتبهوا إلى أن بعض المتنازعين كانوا يختلفون على مفاتيحه، وبعضهم على غرفه، وآخرين على من يحق له الجلوس في صدره؛ أما البيت نفسه، فكان يتآكل بصمت، وأهله يتعلمون كيف يتعايشون مع سقفٍ مثقوب وأبوابٍ لا تحميهم.
وفي المشهد، كثرت الرايات حتى كادت تحجب الأرض، وتعددت الأصوات حتى ضاعت الغاية، وصار لكل بندقيةٍ حكاية، ولكل حكايةٍ مرجعية، ولكل مرجعيةٍ حساباتها التي لا تُقال كاملةً أمام الناس. وحين كان السؤال عن الوجهة، كانت الإجابة تأتي على هيئة شعار؛ وحين كان السؤال عن الثمن، كان الصمت أفصح من كل الخطب.
أما الذين ظنوا أن الحلفاء جاءوا ليختصروا المسافة إلى الخلاص، فقد اكتشفوا أن السياسة لا تعرف العهود بقدر ما تعرف المصالح، وأن اليد التي تمتد اليوم للمصافحة قد تكون منشغلةً غدًا بترتيب الطاولة، وأن بعض المعارك لا تتوقف لأنها انتهت، بل لأنها أصبحت ورقةً أثمن من أن تُحسم.
وفي الداخل، كان المشهد أكثر مرارة؛ خصومٌ يتبادلون المواقع، ورفاقٌ يتبادلون الاتهامات، ومؤسساتٌ تتنازعها الولاءات، فيما المواطن يتنازل كل يومٍ عن شيءٍ من حياته كي تستمر حياة الآخرين السياسية. حتى غدا الوطن كأنه ساحةٌ مفتوحة، لا يُسأل فيها من أعاد للناس حقوقهم، بل من وسّع نفوذه، ولا يُقاس فيها النجاح بما تحقق للأرض، بل بما كسبته الأطراف من أوراق.
ولم يكن أكثر ما يوجع أن الحلم تعثر، بل أن الذين حملوه بدأوا يُلامون على طول الطريق، وكأن المسافر مسؤولٌ عن ضياع البوصلة، وكأن من قدّم دمه مطالبٌ بإثبات صدق نيته كلما أخفق أصحاب القرار. وهكذا، انتقل العبء من أكتاف من يملكون القرار إلى ظهور من لا يملكون سوى الانتظار.
لقد مات الحلم على مراحل؛ مرةً حين تقدمت الحسابات على الغايات، ومرةً حين أصبح الانقسام ضرورةً لبعض المصالح، ومرةً حين اكتُشف أن بقاء الأزمة قد يكون مفيدًا لمن لا يريدون نهايتها بالشكل الذي يريده الناس.
ومع ذلك، لا تزال الحقيقة تقف خارج الغرف المغلقة، في طوابير الخبز، وعلى أبواب المستشفيات، وفي البيوت التي تنتظر عودة غائبٍ أو راتبٍ تأخر أو خبرٍ يطمئن قلبًا أنهكته الخيبات. هناك، بعيدًا عن خرائط النفوذ ومساومات الطاولات، يُكتب التقييم الحقيقي لكل وعدٍ قيل باسم الوطن.
إلى من حملوا راية دعم الشرعية، وإلى من امتلكوا نفوذًا واسعًا في رسم المشهد اليمني وتوجيه مساراته: ارحموا شعبًا أنهكته الحرب، فلم يعد يحتمل أن يدفع من أعمار أبنائه وأقواتهم ثمن حساباتٍ لا يملكون قرارها. فهذا الشعب لم يعد بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الوعود، بقدر حاجته إلى أن يرى آثارها واقعًا يلمسه في أمنه ومعيشته وكرامته.
إن نجاحكم لا يُقاس بما أُعلن من أهداف، بل بما ستنجحون في تحقيقه على الأرض؛ بقدر ما تسهمون في توحيد الصف، وإنهاء الانقسامات، وبناء مؤسساتٍ قادرة على حماية اليمنيين واستعادة دولتهم. فالنجاح  هو أن يشعر المواطن بأن سنوات الانتظار لم تذهب هباءً، وأن التضحيات لم تكن مجرد أرقامٍ في حسابات السياسة.
وكما أن النجاح سيُحسب لكم بقدر ما تحققونه من سلامٍ واستقرارٍ وإنصاف، فإن الإخفاق لن يكون منفصلًا عن مسؤولياتكم؛ فحين تكون لكم مساهمةٌ في تشكيل موازين القوى، ودورٌ في دعم الأطراف المختلفة، وتأثيرٌ في القرار ومساراته، يصبح من حق الناس أن يسألوا عن نتائج تلك الخيارات، وعن أسباب استمرار التشرذم، وعن مصير مشروع الدولة الذي انتظروا تحقيقه طويلًا.
من يملك التأثير في صناعة الفرقاء، وتشكيل موازين القوة، والتأثير في القرار، لا يستطيع أن يقف بعيدًا عن نتائج المشهد وكأنه مجرد متفرج. فالمسؤولية لا تتجزأ حين تكون القرارات متشابكة، ولا تكفي النوايا المعلنة لتجاوز آثار السياسات على حياة الناس.
لقد طال انتظار اليمنيين، ولم يعد في جعبة الأمهات ما يواسي الفقد، ولا في جيوب الآباء ما يخفف قسوة المعيشة، ولا في عيون الأطفال متسعٌ لمزيدٍ من الخيبات. فلا تجعلوا هذا الشعب أسيرًا لصراعات حلفائه، ولا تسمحوا بأن تتحول خلافات القوى إلى قدرٍ دائمٍ لوطنٍ دفع أكثر مما يحتمل.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأطراف التي تتحدث باسمه، بل إلى إرادةٍ صادقة تعمل من أجله؛ ولا يحتاج إلى خرائط نفوذٍ جديدة، بل إلى طريقٍ واضح يعيده إلى الدولة والاستقرار. وما زال بالإمكان إنقاذ ما تبقى من الحلم، إذا تقدمت مصلحة اليمن على الحسابات، وأصبح توحيد الصف فعلًا لا شعارًا، وتحولت الوعود إلى نتائج يراها الناس في حياتهم اليومية.
فارحموا وطنًا أثقلته التضحيات، قبل أن تصبح بقايا حلمه شاهدًا على عجز الجميع عن الوفاء له. فالتاريخ قد يتسع لتبرير الأخطاء، لكنه لا يستطيع أن يمحو آثارها من ذاكرة الشعوب؛ والنجاح الذي لا يلمسه الناس يظل ناقصًا، أما الفشل حين تتراكم نتائجه، فلا تحجبه كثرة الشعارات ولا تنقذه بلاغة الوعود.