العفو الحوثي .. محاولة جديدة لإعادة كتابة الحقيقة

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

حين يتحول المعتقل إلى رقم مجهول، ويصبح الإفراج عن مقاتلين معروفين للعالم أداة لصناعة صورة جديدة لجماعة استولت على السلطة بقوة السلاح

الحوثيون يكذبون مثلما يتنفسون.
هذه ليست عبارة غضب عابرة، بقدر ما أصبحت خلاصة تجربة سياسية وإنسانية طويلة عاشها اليمنيون خلال سنوات الحرب.
واليوم يحاول الحوثيون تقديم أنفسهم بصورة جديدة من خلال الحديث عن العفو عن مقاتلين كانوا في الجبهات التي قاتلتهم.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل التصفيق لهذا الإعلان هو:
لماذا هؤلاء تحديدًا؟
ولماذا الآن؟
ولماذا يتم تقديمهم إلى الرأي العام باعتبارهم الدليل على أن العصابة تصفح عن خصومها، بينما يبقى خلف القضبان يمنيون آخرون لا يعرف أحد أين هم؟
المسألة هنا ليست رفضًا للإفراج عن أي يمني.
على العكس.
كل يمني يعود إلى أسرته هو خبر جيد.
لكن الإفراج عن مجموعة من المقاتلين لا يمكن أن يتحول إلى ستار يخفي قضية آلاف المعتقلين والمختفين قسرًا، الذين لا يملكون منصة إعلامية ولا جماعة سياسية تتحدث باسمهم.
الحوثيون يعرفون جيدًا أن عائلات المقاتلين في الجبهات تعرف أسماء أبنائها.
والجبهات نفسها معروفة.
وأسماء كثير من المقاتلين معروفة لدى الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية ووسائل الإعلام.
لذلك فإن الإعلان عن العفو عن هؤلاء يضمن للجماعة شيئًا مهمًا:
أن يصل الخبر بسرعة إلى الناس،
أن تعرف الأسر أن أبناءها قد يعودون،
وأن يلتقط العالم الصورة:
جماعة تعفو.
جماعة تتسامح.
جماعة تفتح باب العودة.
لكن ماذا عن الذين لا يعرف أحد أين هم؟
ماذا عن الذين اختفوا من منازلهم؟
ماذا عن المعتقلين الذين لا يُسمح لهم حتى باتصال هاتفي بأسرهم؟
هؤلاء لا يملكون الصورة التي يريد الحوثيون عرضها أمام العالم.
ولا يملكون القدرة على صناعة ترند. ولهذا يبقون خلف الستار.
وهنا تظهر المشكلة السياسية الحقيقية.
العفو عن مقاتلين معروفين لا يعني أن منظومة الاعتقال انتهت. والإفراج عن مجموعة لا يعني أن العدالة تحققت.
والصورة الإعلامية لا تستطيع أن تمحو واقع السجون.
أنا أتحدث عن هذا الأمر أيضًا من تجربة شخصية. أخي اختفى عامًا كاملًا قبل أن يظهر في أحد سجون الحوثيين.
عام كامل لا تعرف فيه الأسرة أين يوجد، ولا تعرف ما مصيره.
ثم ظهر في السجن دون أن تكون هناك محاكمة عادلة تشرح للأسرة ما الجريمة التي ارتكبها.
وجريمته الكبرى في نظر الجماعة كانت أنه أخي، وأنني أتكلم ضد الحوثيين.
وهنا يصبح الحديث عن التخابر والعمالة والخيانة جزءًا من منظومة أوسع من الاتهامات التي يمكن استخدامها ضد المختلفين سياسيًا.
وهذا هو السبب الذي يجعل الحديث عن العفو بحاجة إلى قراءة سياسية، وليس إلى احتفال إعلامي.
فالهدف ليس فقط إطلاق سراح أشخاص.
الهدف أيضًا صناعة رواية.
رواية تقول إن الحوثيين لا يعاقبون اليمنيين بسبب مواقفهم السياسية، وإنهم مستعدون لطي صفحة الماضي.
لكن التاريخ القريب لا يسمح بتمرير هذه الرواية بسهولة.
خصوصًا عندما نقترب من 26 سبتمبر.
فكلما اقتربت ذكرى الثورة الجمهورية، يعود معها القلق الحوثي من الذاكرة اليمنية.
تتكرر الاعتقالات والملاحقات وتضييق الاحتفال بالذكرى ورفع العلم الجمهوري.
وفي سبتمبر 2024، وثقت هيومن رايتس ووتش اعتقالات حوثية بحق يمنيين على خلفية الاحتفال بذكرى 26 سبتمبر أو التعبير عنها، بما في ذلك حالات مرتبطة برفع العلم اليمني أو نشر محتوى عن المناسبة.
وفي سبتمبر 2025، تكررت الاعتقالات المرتبطة بالذكرى مرة أخرى.
وهنا لا يعود السؤال:
ماذا يريد الحوثيون من 26 سبتمبر؟
بل ماذا يخافون أن يتذكره اليمنيون في 26 سبتمبر؟
إنهم يعرفون أن هذه الذكرى ليست مجرد يوم في التاريخ.
إنها رمز لفكرة الجمهورية.
ولهذا فإن محاولة السيطرة على الذاكرة لا تقل أهمية بالنسبة لهم عن السيطرة على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم جزء من الحملة الإعلامية الجديدة،
خصوصًا في المناطق التي سيطروا عليها بالقوة أو يسعون إلى تثبيت نفوذهم فيها.
ومن بينها مناطق الساحل الغربي.
فالجماعة لا تريد فقط السيطرة العسكرية.
هي تحتاج أيضًا إلى بناء رواية سياسية واجتماعية تقول للسكان إن الذين قاتلوها قد عادوا إليها، وإنها تجاوزت الماضي، وإنها أصبحت صاحبة مشروع جامع لكل اليمنيين.
وهنا يأتي الإعلان عن العفو كأداة سياسية: أن تقول للساحل الغربي: لقد سامحنا أبناءكم.
وأن تقول للعالم: انظروا، نحن نمد يد المصالحة.
وأن تقول لليمنيين: انتهى زمن المواجهة. لكن الحقيقة أن المصالحة لا تبدأ من الإعلام.
المصالحة تبدأ من الاعتراف بالحقوق، وتبدأ بإطلاق المعتقلين، وكشف مصير المختفين، ووقف الاعتقال بسبب الرأي، وإعطاء كل إنسان حقه في المحاكمة والدفاع.
أما أن يتم الإفراج عن بعض المقاتلين المعروفين، بينما يظل آخرون خلف القضبان لا يُسمح لهم حتى بالاتصال بأسرهم، فهذا لا يمكن أن يكون مشروعًا حقيقيًا للمصالحة الوطنية.
بل يمكن أن يتحول إلى عملية سياسية لإعادة تشكيل صورة الجماعة أمام المجتمعات التي تسيطر عليها.
والأخطر أن هناك محاولة أخرى تسير بالتوازي: محاولة تشويه كل من قاتل الحوثيين في الجبهات. وكأن الدفاع عن المدن والقرى والأسر كان جريمة.
وكأن من وقف في الجبهة أصبح فجأة خائنًا لمجرد أنه لم يقبل أن تحكم جماعة مسلحة بلاده.
قد نختلف مع بعض المقاتلين سياسيًا، وقد ننتقد أخطاء بعض القوى، لكن لا يجوز تحويل الخلاف السياسي إلى حملة تخوين جماعية.
ومن قاتل دفاعًا عن أرضه وأسرته لا يصبح عميلًا لمجرد أن الحوثيين قرروا اليوم أن يصفوه كذلك.
والعفو الحقيقي لا يحتاج إلى إهانة من تم العفو عنهم.
ولا يحتاج إلى صناعة رواية تقول إنهم كانوا مذنبين ثم تفضلت الجماعة عليهم.
إذا كان الحوثيون يريدون فعلًا إغلاق صفحة الحرب، فعليهم أن يغلقوا معها صفحة الاعتقال والاختفاء والتعذيب والقمع.
وعليهم أن يدركوا أن اليمنيين لن ينسوا.
لن ينسوا من اختفى.
لن ينسوا من مات في السجون.
لن ينسوا من حُرم من رؤية أسرته.
لن ينسوا من تم اتهامه بالخيانة والتخابر لأنه قال لا.
ولن ينسوا 26 سبتمبر.
ولهذا فإن محاولة تحويل الأنظار من هذه الملفات إلى إعلان عفو انتقائي لن تغير الحقيقة.
كما أن الحديث عن غزة أو إسرائيل أو السعودية لن يلغي القضية اليمنية.
ففلسطين قضية عادلة لا يمكن استخدامها غطاءً لإخفاء ظلم اليمنيين.
والصراع الإقليمي لا يمنح أي جماعة حق مصادرة وطن كامل.
والشعب اليمني الذي عانى من الحرب لا يريد المزيد من الشعارات.
يريد دولة.
يريد قانونًا.
يريد عدالة.
يريد أن يعيش دون خوف من الاعتقال بسبب رأيه.
ولا أعتقد أن مقاتلي الجبهات الذين عاشوا سنوات الحرب يمكن أن يتحولوا بهذه السهولة إلى جزء من مشروع الحوثيين لمجرد إعلان عفو.
فالسياسة ليست ورقة عفو.
والذاكرة ليست ورقة يمكن تمزيقها.
والكرامة ليست شيئًا يمكن التفاوض عليه في صفقة سياسية.
قد يحاول الحوثيون أن يكسبوا بعض المحافظات والمجتمعات التي سيطروا عليها بقوة السلاح عبر خطاب جديد عنوانه التسامح والعفو.
وقد يحاولون إقناع الناس بأنهم أصبحوا أكثر انفتاحًا على خصوم الأمس.
لكن كسب الناس لا يكون بالخوف ولا بالدعاية.
ولا يكون بإطلاق سراح أسماء معروفة وترك أسماء أخرى مجهولة في السجون.
كسب الناس يكون عندما يشعر المواطن أن حياته وكرامته وحقوقه مصانة.
والسلطة التي تحتاج إلى الاعتقال حتى تحافظ على نفسها لا تستطيع أن تقنع شعبًا بأنها صاحبة شرعية.
لذلك نقول للحوثيين: لا تحاولوا لفت أنظار الناس بعروض سياسية وإعلامية كلما اقتربت 26 سبتمبر. ولا تعتقدوا أن الإفراج عن بعض المقاتلين سيمحو سنوات من القمع.
ولا تراهنوا على أن اليمنيين سينسون.
فالذي فقد أخًا أو ابنًا أو أبًا في السجون لن ينسى.
والذي عاش سنوات الحرب لن ينسى.
والذي يعرف معنى أن تختفي عائلته خلف باب مغلق لن ينسى.
والذي يؤمن بالجمهورية لن يتخلى عن ذاكرته لأن جماعة مسلحة تريد إعادة كتابة التاريخ.
26 سبتمبر ستظل حاضرة.
ليس لأنها مجرد مناسبة وطنية،
بل لأنها تذكّر اليمنيين بأن السلطة ليست ملكًا لجماعة ولا سلالة ولا قبيلة ولا بندقية.
السلطة حق للشعب.
والدولة حق لكل اليمنيين.
ومن يظن أن السيطرة بالقوة تعني امتلاك اليمن، فهو لا يعرف اليمنيين.
قد تسيطر البندقية على مدينة،
وقد تفرض الجماعة سلطتها على محافظة، لكنها لا تستطيع أن تفرض على شعب كامل أن يحبها أو ينسى ظلمه.
وسواء أعلن الحوثيون العفو أو لم يعلنوا، وسواء حاولوا استمالة مقاتلي الجبهات أو استرضاء المجتمعات التي تحت سيطرتهم،
لن تنتهي قضية اليمنيين بهذه الطريقة.
لأن القضية أكبر من مقاتل عاد إلى بيته، وأكبر من بيان سياسي،
وأكبر من حملة إعلامية.
القضية هي وطن يريد أن يستعيد دولته،
وشعب يريد أن يعيش بلا خوف،
ومعتقلون يريدون حريتهم،
وعائلات تريد معرفة مصير أبنائها، وثورة جمهورية لن تمحوها محاولات تغيير الذاكرة.
والتاريخ في النهاية لا يُكتب بالبيانات التي تصدرها الجماعات المسلحة.
التاريخ يكتبه الشعب.
والشعب اليمني لم يقل كلمته الأخيرة بعد.