تصعيد الاعتقالات الحوثية ينسف جهود تصفير السجون
في الوقت الذي يكثف فيه الوسطاء المحليون والإقليميون والدوليون جهودهم لإنجاح صفقات تبادل الأسرى والمختطفين، وتتصاعد المطالبات الأممية والحقوقية بالإفراج عن السياسيين والإعلاميين والتربويين وموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وكافة المختطفين والمعتقلين، تواصل مليشيا الحوثي الانقلابية السير في الاتجاه المعاكس، عبر حملة اعتقالات ومداهمات واسعة تعكس غياب أي نية حقيقية لإنهاء هذا الملف الإنساني.
فبدلاً من تخفيف معاناة آلاف الأسر، شنت المليشيا خلال الأيام الأخيرة حملة اختطافات طالت عشرات العناصر التابعة لأجهزتها الأمنية، إلى جانب شخصيات اجتماعية واعتبارية، وتجار، وسياسيين، فضلاً عن مواطنين عاديين في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمتها محافظة إب، التي تشهد تصاعدًا غير مسبوق في جرائم الاختطاف والقتل والانتهاكات، وسط حالة من الفوضى الأمنية.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع اقتراب تنفيذ أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي الانقلابية، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول دوافع هذه الاعتقالات، وما إذا كانت المليشيا تسعى إلى تعويض من ستفرج عنهم بمختطفين جدد، أو إلى توسيع أوراق الضغط التي تستخدمها في أي مفاوضات قادمة.
وفي الوقت ذاته، تتزايد بصورة لافتة حالات الوفاة داخل السجون الحوثية، في تطور يثير مخاوف حقوقية متزايدة، خصوصًا مع اقتراب تنفيذ صفقة التبادل، وهو ما يستدعي تحقيقات مستقلة لكشف ملابسات هذه الوفيات، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة.
وتتزامن هذه التطورات مع صدور تقارير حقوقية توثق حجم الانتهاكات داخل السجون الحوثية. فقد وثقت منظمة "رايتس رادار لحقوق الإنسان" مقتل وتعذيب 2928 ضحية داخل سجون المليشيا منذ سبتمبر 2014، في واحدة من أكبر الإحصائيات التي تكشف حجم المأساة الإنسانية المستمرة.
كما كشف تقرير حقوقي نُشر بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب أن 1893 مختطفًا تعرضوا لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي في سجون الحوثيين خلال الفترة من الأول من يناير 2018 حتى مطلع عام 2026، بينهم 117 طفلًا و43 امرأة و89 مسنًا، فيما أفضت عمليات التعذيب إلى وفاة 394 مختطفًا، من بينهم 12 طفلًا و9 نساء و15 مسنًا، إضافة إلى توثيق 32 حالة تصفية جسدية داخل السجون.
إن استمرار حملات الاعتقال واتساع رقعة الانتهاكات، بالتزامن مع جهود تبادل الأسرى، يكشف بوضوح أن مليشيا الحوثي الإرهابية لا تنظر إلى ملف المختطفين باعتباره قضية إنسانية، بل تتعامل معه كورقة سياسية وأمنية للمساومة والابتزاز، وهو ما يقوض فرص بناء الثقة ويعرقل مساعي السلام.
وأمام هذه الوقائع، يتحمل المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية مسؤولية مضاعفة للضغط من أجل وقف حملات الاختطاف، والإفراج عن جميع المعتقلين تعسفيًا، وفتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم التعذيب والقتل داخل السجون الحوثية، باعتبار أن تجاهل هذه الانتهاكات لا يشجع إلا على استمرارها وتكرارها.