حجة .. محرقة الصمت والإبادة الاجتماعية .. ​عندما تلتهم الجبهات جيل المستقبل وتفكك قلاع القبيلة

حجة .. محرقة الصمت والإبادة الاجتماعية .. ​عندما تلتهم الجبهات جيل المستقبل وتفكك قلاع القبيلة
مشاركة الخبر:

​في أعالي جبال حجة وفي وديانها المنسية، لا يقرع ناقوس الخطر بسبب دوي المدافع وحدها، بل بسبب الصمت المطبق الذي يغلف القرى التي فرغت من شبابها. هنا، حيث كانت القبيلة صمام الأمان وتاريخاً من العزة، تحولت اليوم إلى "مخزن بشري" مفتوح لا ينضب. لم تعد الحرب مجرد أرقام تُنشر في نشرات الأخبار، بل أصبحت "مأساة صامتة" تعيد تشكيل وجه المجتمع، وتترك خلفها جيلاً من الأرامل والأيتام وكبار السن الذين يحملون فوق أكتافهم أعباء غياب من كانوا يوماً "عزوتهم" وسندهم. في هذا التحقيق، نكشف كيف تُنتزع الحياة من جذورها، وكيف يُهدم نسيج القبيلة من الداخل.

وضع لا نحسد عليه
الشيخ علي حسن حيدر - وجاهة اجتماعية قالت :القبيلة قديماً كانت تُحكّم العقل لتحمي أبناءها. اليوم، أصبح المشايخ في وضع لا يُحسدون عليه؛ إما التماهي مع ضغوط الحشد أو مواجهة التهميش. لقد فقدنا هيبتنا، وأصبحنا عاجزين عن حماية شبابنا من الانزلاق إلى محارق لا ناقة لهم فيها ولا جمل. القبيلة اليوم مقسومة، والبيت الواحد يعيش انقساماً يعكس صراعاً لا نراه."

الديار أصبحت خاويه
​ السيدة سعيدة محمد عيسى - أم فقدت ولديها قالت: أخذوا ولديَّ، قالوا إنها 'عزة وكرامة'. واليوم، لا أرى إلا خاوية الديار. من يعيلني وأنا في هذا السن؟ من يفلح الأرض التي كانت تطعمنا؟ لم يعد لنا إلا الجوع، والذكريات المرة. ابني الأكبر كان يحلم بالتعليم، والآن حلمه أن تعاد الحياة كما كانت عليه قبل سيطرة مليشيا الحوثي على الحكم.

نحن مجرد ارقام 
​الشاب محمد ناصر هادي - عائد من الجبهة بإعاقة جسدية قال: لم أكن أعرف إلى أين أذهب. كنت أريد عملاً، فجاءوا لي بوعود بالمال والمكانة. في الجبهة، وجدت الحقيقة: نحن مجرد أرقام. حين أصبت، تخلى الجميع عني. عدت إلى قريتي غريباً، أرى الشباب يندفعون للمصير نفسه الذي لاقيتُه، ولا أستطيع أن أقول لهم شيئاً خوفاً من بطش لا يرحم.

المجتمع يتجه نحو الأميه 
​الأستاذ أحمد قاسم - معلم مدرسة قال: 
الفصول الدراسية أصبحت فارغة. في العامين الماضيين، فقدتُ أكثر من نصف طلابي في الصفوف النهائية. هؤلاء كانوا مشروع مهندسين وأطباء، لكنهم اليوم في عداد المفقودين أو القتلى. التعليم هنا يُحتضر، والمجتمع يتجه نحو 'الأمية' لأن الجهل هو الوقود الأسرع لهذه الحروب.

لم يبق في السوق سوى النساء وكبار السن
​السيدة نورة عادل - بائعة متجولة: الناس هنا يبيعون ما يملكون ليطعموا أطفالهم. السلع غالية، ولا مُعيل. الشباب الذين كانوا يعملون في النقل والبناء ذهبوا. لم يتبقَ في السوق سوى النساء والأطفال وكبار السن. نحن لا نعيش، نحن فقط ننتظر من يطرق بابنا بقطعة خبز أو بخبر سيئ عن ابنٍ رحل.

​الختام: 
​ما يحدث في حجة ليس مجرد تداعيات عرضية للحرب، بل هو "إبادة اجتماعية" منظمة تفتك بأعمدة المجتمع اليمني. إن تحويل حجة إلى ساحة استنزاف لن يُبقي أحداً في المستقبل لإعادة الإعمار أو حتى لمجرد العيش بكرامة. إن التاريخ لن يغفر لمن حولوا القبائل إلى وقود، ولن يغفر لنا صمتنا عن هذه "المحرقة الصامتة". إن استمرار هذا النزيف يعني أننا بصدد خلق أجيال من اليأس والفقر ستظل لعنتها تلاحق الوطن لعقود طويلة. 
هل ما زال هناك بقية من ضمير لوقف هذه المجزرة البشرية قبل أن تُكتب الصفحة الأخيرة من حكاية قريتنا الجميلة؟