أبين .. سلة الغذاء ومصنع النجوم.. بين فساد القيادات وإرهاب القاعدة، تفتقد الحياة والمدن

أبين .. سلة الغذاء ومصنع النجوم.. بين فساد القيادات وإرهاب القاعدة، تفتقد الحياة والمدن
مشاركة الخبر:

أبين ليست مجرد محافظة؛ فهي خزان للنخب ومنبت للنجوم، لكن "لصوص الدولة" حولوها إلى مقبرة كبرى. اليوم، لا تسأل عن "سلة الغذاء" التي بشّروا بها، بل اسأل عن فتات العيش الذي يقتات عليه المواطن المغلوب على أمره، بينما تتقاذف القيادات الفاشلة - من محافظين سابقين إلى حكومة لا تجيد سوى الترقيع - المسؤولية، تاركين المحافظة نهباً لفوضى السلاح وعبث الجماعات المتطرفة التي وجدت في غياب الدولة مرتعاً خصباً للنمو. إنها قصة وطن صغير يُنحر ببطء، في ظل صمت المتواطئين وبطش الفاشلين.

شهادات من قلب الوجع:
صالح عبدربه (مزارع) يقول:
"زرعنا الأرض بدمائنا، لكن القاعدة سرقت مواسمنا، والمسؤولون سرقوا أحلامنا. لا قنوات ري، ولا حماية، نحن فقط وقود لحربهم وضحايا لفسادهم. كنا ننتظر من الدولة أن تدعم بذورنا، فجاءت تدعم جحيمنا بصمتها المريب. مزارعنا التي كانت تغذي اليمن تحولت اليوم إلى حقول ألغام ومسارح للفوضى، بينما يغرق المسؤول في فنادق الخارج، يغرق المزارع في ديونه وهمومه. إننا لا نطالب بالمعجزات، بل بحقنا في أن نحرث أرضنا دون خوف من رصاصة غادرة أو مسؤول يبيع حصتنا من المياه في السوق السوداء".

وعود كاذبة
أم فضل (ربة منزل) قالت:
"نحن لا نسكن في مدن، بل في أطلال. لا طرقات تصلنا بالعالم، ولا مياه نظيفة، ولا كهرباء. المسؤول الذي يزورنا يأتي في موكب عسكري ليطعمنا الوعود ثم يغادر. أطفالي يدرسون تحت خيام تذروها الرياح، بينما أموال التنمية تتبخر في صفقات مشبوهة لا نرى منها شيئاً. نعيش في زمن أصبحت فيه أبسط مقومات الحياة - كالماء والكهرباء - رفاهية لا يستحقها إلا ذوو النفوذ. إن قلبي يتمزق كلما نظرت إلى مستقبلهم، وأخشى أن يكبروا في غابة لا تحميهم ولا تعترف بحقهم في العيش كبقية البشر".

نكافح من أجل البقاء
عبدالكريم (خريج جامعي) قال:
"أين المدن السكنية الحديثة التي تليق بتاريخنا؟ لا وجود لها. التخطيط في أبين جريمة، والمشاريع العمرانية مجرد حبر على ورق، بينما يغرق شبابنا في العشوائية. لقد تخرجنا لنكتشف أن الشهادات الجامعية في أبين مجرد أوراق للذكرى، ففرص العمل محجوزة لمن يملك واسطة أو يدفع الرشوة. الفضاء العمراني مشوه، والمدن التي حلمنا بها تحولت إلى مجمعات عشوائية تفتقر إلى التنظيم والخدمات الصحية. إننا جيل محاصر بين بطالة خانقة وأفق مسدود، يراقب كيف تُهدر الفرص أمام أعيننا، وتُبنى القصور لأشباح المسؤولين بينما نكافح من أجل البقاء".

منصور (موظف حكومي) أكد بالقول:"القيادة في أبين هي العدم. فكلما تغير مسؤول، ازداد العبث. الكهرباء تنهار، والمدارس مهجورة، والمستشفيات ليست سوى مبانٍ للإهمال. أما المؤسسات الحكومية فقد أصبحت هياكل فارغة يسكنها النازحون، بلا روح ولا كفاءة، حيث يتم تعيين الفاشلين لمجرد الولاءات والمحسوبيات. لا أحد يحاسب، ولا أحد يراقب، والكل ينتظر راتبه دون أن يقدم خدمة واحدة لهذا المواطن المقهور. إننا نعمل في بيئة ميتة سريرياً، حيث أصبح الفساد هو القانون الوحيد السائد، وباتت مصلحة المسؤول مقدمة على مصلحة الدولة والمواطن.
صحيح أن المحافظ الجديد يبدو الأفضل، لكن في ظل غياب دعم الحكومة، لن يتمكن من تقديم شيء يُذكر سوى مزيد من المعاناة".

المسؤول الفاشل سبب في تأخر أبين عن بقية المحافظات
سالم الميسري (ناشط حقوقي) قال:"أبين تُذبح بصمت. الفشل ليس قدراً، بل هو نتيجة تعيين مسؤولين لا يعرفون قيمة هذه الأرض، ولا يهتمون لدمائها التي تُسفك أو أطفالها الذين ينمون في الجهل والفقر. الجرائم تُقيد ضد مجهول، والضحايا يُنسون في سجلات النسيان، بينما القاتل يمشي طليقاً تحت غطاء الحصانة أو القوة. نحن نعيش حالة من الانفلات المنظم، حيث تُستخدم الأزمات لتطويع الناس وقمع أصواتهم المطالبة بالعدالة. إن الصمت الدولي والمحلي عما يحدث في أبين هو مشاركة في الجريمة، وسنظل نطارد هؤلاء الفاسدين بكلماتنا، فالحقيقة وحدها هي القادرة على كشف زيفهم في نهاية المطاف.
وأقول إن المسؤول الفاشل هو السبب في أن تظل أبين متأخرة عن بقية المحافظات، رغم امتلاكها كل المقومات التي تؤهلها للنهوض والتقدم".

الخاتمة:
إن أبين ليست يتيمة، بل مغدورة من أبنائها الذين تقلدوا المناصب ثم خانوها. إلى كل من يتشدق بالسياسة والوطنية: دماء أبين في رقابكم، وعجز أهلها عن العيش الكريم نتيجة مباشرة لفسادكم. لقد أكلت القاعدة الأخضر واليابس، لكنكم أكلتم المستقبل قبلها.

لا مكان للاعتذار، ولا وقت للوعود؛ فأبين اليوم تصرخ في وجه الفاشلين: ارحلوا، فقد شبعنا من فسادكم الذي دمر كل شيء.

إن استمرار التغاضي عن مأساة أبين هو مشاركة في الجريمة. أبين لا تطلب المستحيل، بل تطلب حقها في العيش الكريم، وفي مدن مخططة، وخدمات توفر لها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

إلى الحكومة والقيادة السياسية: أبين ليست ثكنة عسكرية، وليست ضيعة خاصة لأحد، إنها قلب اليمن الذي إذا توقف، اختل الجسد كله.

إن هذا التحقيق هو صرخة في وجه المسؤولين: كفى عبثاً بمستقبل أبين؛ فالشعب الذي يصبر على الجوع لا يصبر على الخذلان.