عدن بلا كهرباء.. أزمة تكشف هشاشة المجلس الرئاسي وعجزه عن إدارة أبسط الخدمات

عدن بلا كهرباء.. أزمة تكشف هشاشة المجلس الرئاسي وعجزه عن إدارة أبسط الخدمات
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

تبدو أزمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن اليوم أكثر من مجرد خلل في منظومة خدمية بل هي انعكاس مباشر لتشابك السياسة بالاقتصاد، وتداخل سوء الإدارة مع تراكمات بنيوية لم تعالج منذ سنوات.

 فالمشكلة، التي تتجدد مع كل صيف، لم تعد مجرد انقطاعات متكررة، بل أصبحت عنوانا لأزمة حكم وإدارة وموارد.

خلال السنوات الماضية، تكررت الاتهامات بوجود شبكات نفوذ وفساد داخل قطاعي الكهرباء والوقود، غير أن هذه الاتهامات بقيت دون مسار واضح من المحاسبة أو التحقيق الجاد، في ظل حالة الانقسام الإداري والسياسي التي أثقلت كاهل المدينة وأضعفت مؤسساتها. ومع غياب الرقابة الفعالة، تحولت الأزمة إلى حلقة مغلقة تعيد إنتاج نفسها كل عام.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية الإفشال المتعمد كأحد التفسيرات المطروحة، حيث يرى بعض المراقبين أن تداخل مصالح قوى نافذة، محلية ومركزية، مع شبكات مصالح قائمة، قد يسهم في تعقيد الأزمة بدلاً من حلها. غير أن هذا الطرح، رغم انتشاره، يظل بحاجة إلى أدلة مؤسسية وتحقيقات شفافة تثبته أو تنفيه، بعيداً عن التوظيف السياسي.

ما هو واضح على الأرض أن الأزمة لم تعد مرتبطة بشخص أو جهة بعينها، بل بنظام كامل من الاختلالات المتراكمة: تهالك البنية التحتية، ضعف التمويل، سوء إدارة الوقود، وتعدد مراكز القرار بين السلطات المحلية والمركزية. وهي عوامل جعلت من قطاع الكهرباء واحداً من أكثر الملفات هشاشة في البلاد.

وفي ذروة هذا الانهيار، خرجت عدن إلى الشارع. احتجاجات ليلية غاضبة شهدتها أحياء المعلا وصيرة وكريتر وكذلك في سيئون حضرموت، حيث افتراش المواطنين للشوارع لم يكن مجرد فعل احتجاجي، بل تعبيراً صادماً عن انهيار القدرة على الاحتمال، في ظل درجات حرارة مرتفعة وانقطاع شبه كامل للكهرباء. هذه المشاهد عكست بوضوح انتقال الأزمة من المؤسسات إلى حياة الناس اليومية.

وتشير بيانات محلية إلى أن ساعات الانقطاع وصلت إلى مستويات قياسية تجاوزت 20 ساعة يومياً خلال 2026، مع توقف أو تراجع إنتاج محطات رئيسية مثل الحسوة ومحطة الرئيس، نتيجة نقص الوقود أو أعطال فنية، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والصحة والتعليم والأسواق.

على المستوى الاقتصادي، لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الانقطاع الكهربائي، بل تمتد إلى ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع النشاط التجاري والصناعي، ما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي في مدينة تعاني أصلاً من ضغوط معيشية خانقة.

يمثل الانهيار المتكرر في خدمة الكهرباء بمدينة عدن انعكاساً مباشراً لحجم الاختلالات العميقة في إدارة الملف الخدمي، ويضع المجلس الرئاسي أمام اختبار حقيقي لقدرته على التعامل مع واحدة من أكثر الأزمات إلحاحاً وتأثيراً على حياة المواطنين.

فمع استمرار الانقطاعات الطويلة وتفاقم معاناة السكان، تتكشف هشاشة المعالجات الحالية، وغياب الحلول المستدامة، مقابل تراكم الأزمات دون أفق واضح للانفراج.

ما تعيشه عدن اليوم ليس مجرد انقطاع كهرباء، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة واحدة من أكثر أزماتها تعقيداً، في مدينة أصبحت فيها الكهرباء مرآة تعكس حجم الاختلال في بنية الحكم والخدمات معاً.