قياداتٌ تتنعّم بالأزمة.. وشعبٌ يدفع ثمن الصمت
منذ أكثر من عقد من الزمن، تعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية في تاريخها الحديث، وهي أزمة أشعلها الانقلاب الحوثي وما تبعه من حروب وصراعات أنهكت الدولة والمجتمع وأغرقت ملايين اليمنيين في دوامة الفقر والمعاناة.
وخلال هذه السنوات الطويلة، تحولت الأزمة بالنسبة لكثير من القيادات والمسؤولين في مختلف سلطات الأمر الواقع، الشرعية والانقلابية، إلى مصدر للنفوذ والثروة والامتيازات. فقد أصبحت موارد النفط والغاز والضرائب والزكاة والجمارك والذهب وإيرادات الاتصالات، وما تبقى من الموانئ والمطارات والخدمات العامة، إضافة إلى المساعدات الدولية والإتاوات المفروضة على المواطنين، أدوات لتكوين طبقة ثرية تعيش في رخاء متزايد بعيداً عن معاناة الناس.
وفي المقابل، يدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر لهذه الحرب، حيث يواجه انهياراً اقتصادياً متواصلاً، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وتدهوراً للعملة، وانقطاعاً للمرتبات، وانهياراً للخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن انتشار الفقر والجوع والأمراض وسوء التغذية بين الأطفال.
كما تسببت الحرب في سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وتدمير البنية التحتية، ونزوح ملايين اليمنيين من منازلهم، بينما تستمر الانتهاكات بحق المدنيين، من مصادرة الممتلكات وتقييد الحريات إلى حملات الاختطاف والاعتقال التي طالت إعلاميين وسياسيين وأكاديميين وتربويين ومثقفين وفنانين.
وأمام هذا الواقع المرير، أصبح ما يقارب 80% من السكان تحت خط الفقر، في حين يعجز الملايين عن توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة، بينما تتسع الفجوة بين معاناة الشعب ورفاهية القيادات المستفيدة من استمرار الأزمة.
إن الأمر الأكثر إيلاماً لا يتمثل في حجم الكارثة فحسب، بل في حالة الصمت والاستسلام التي سمحت باستمرار هذا الواقع. فكلما استمرت القيادات في استثمار الأزمة لتحقيق المكاسب، واستمر المجتمع في التعايش مع المأساة دون موقف ضاغط يطالب بالمحاسبة والإصلاح، طال أمد الأزمة وتضاعفت معاناة اليمنيين.
لقد تحولت الحرب بالنسبة للشعب إلى جحيم يومي، بينما أصبحت بالنسبة لكثير من المتنفذين مشروعاً مربحاً. وبين رخاء القيادات وصمت الشعب، تستمر الأزمة اليمنية في التمدد، ويبقى المواطن وحده الخاسر الأكبر.