نهاية إيران .. استسلام أم استئصال؟
لم تعد مسألة إيران اليوم مجرد خلاف أو تنافس إقليمي عابر، بل تحولت إلى عقدة صراع طويل تشابكت فيه الأيديولوجيا بالسلاح، وتداخلت فيه الطموحات الإمبراطورية مع حسابات الجغرافيا والسياسة. فالنظام الذي بنى مشروعه على تصدير الثورة وفتح الجبهات خارج حدوده، يجد نفسه اليوم أمام سؤال وجودي: هل ستكون النهاية استسلامًا يفرضه الواقع، أم استئصالًا تفرضه المواجهة؟
طوال عقود، اعتمدت إيران على استراتيجية واضحة: القتال بالوكالة. فبدل أن تخوض المعارك مباشرة، صنعت شبكات من المليشيات الممتدة من العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن. كانت هذه الأذرع هي خط الدفاع الأول، والأداة التي توسع بها نفوذها وتربك خصومها. غير أن هذه الاستراتيجية نفسها بدأت تتحول إلى عبء ثقيل، لأن أي انهيار في هذه الشبكات ينعكس مباشرة على مركز المشروع في طهران.
المشكلة التي تواجه إيران اليوم ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية أيضًا. فاقتصاد مثقل بالعقوبات، وشعب أنهكته الأزمات، ونظام يواجه تآكلًا بطيئًا في شرعيته الداخلية، يجعل استمرار سياسة التمدد الخارجي أكثر تكلفة من أي وقت مضى، لأن الداخل الذي يتحمل الأعباء لم يعد كما كان في السابق.
لكن التاريخ يخبرنا أن الأنظمة العقائدية نادرًا ما تتراجع بسهولة. فهي غالبًا تميل إلى التصعيد بدل الانكفاء، وتفضل المخاطرة الكبرى على الاعتراف بالفشل. لذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستختار إيران طريق التراجع والقبول بواقع جديد، أم أنها ستواصل المغامرة حتى تصل إلى لحظة الاستئصال؟
الفرق بين الاستسلام والاستئصال ليس بسيطًا. الاستسلام يعني اعترافًا ضمنيًا بأن مرحلة قد انتهت، وأن موازين القوى لم تعد تسمح بمواصلة المشروع القديم. أما الاستئصال فهو نهاية أكثر قسوة، حيث لا يكتفي الخصوم بإجبار النظام على التراجع، بل يسعون إلى تفكيك أدواته وإزالة نفوذه بالكامل.
وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ المشاريع الكبرى بالشعارات وتنتهي بالوقائع. فالتاريخ مليء بأنظمة اعتقدت أن قوتها أبدية، لكنها سقطت حين اصطدمت بحدود الواقع. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو متى تنتهي إيران، بل كيف ستنتهي: هل تتراجع قبل لحظة السقوط، أم تواصل السير حتى الحافة؟
ما يبدو واضحًا اليوم أن المشروع الذي بنى نفوذه على الفوضى لم يعد قادرًا على التحكم بنتائجها. وحين تفقد المشاريع قدرتها على إدارة الفوضى التي صنعتها، فإن النهاية تصبح مسألة وقت لا أكثر، ونهاية مشروع إيران أصبحت أقرب من أي وقت مضى.