اليمن في قلب العاصفة الإقليمية ..
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ستمتد إلى اليمن أم لا؛ بل كيف سيُعاد رسم موقع اليمن داخل خرائط الصراع الجديدة. فاليمن لم يعد ملفًا محليًا يمكن عزله عن سياقه، وإنما بات عقدة جيوسياسية في شبكة ردع إقليمية تتشابك فيها المصالح وتتصادم عبر أدوات غير تقليدية.
على مدى السنوات الماضية، تحولت الجغرافيا اليمنية من هامش مهمل إلى مساحة تأثير حساسة. فالإشراف على باب المندب والاقتراب المباشر من خطوط الملاحة في البحر الأحمر منح اليمن وزنًا يتجاوز قدراته الذاتية. في معادلات الردع الحديثة، لا تُقاس القوة بحجم الجيوش فحسب، بل بقدرة الفاعلين على إرباك الممرات الحيوية ورفع كلفة الخصوم بأدوات منخفضة الكلفة نسبيًا. وهنا يصبح اليمن، بحكم موقعه، ساحة رسائل استراتيجية أكثر منه ساحة حسم عسكري تقليدي.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في احتمالية الضربات المتبادلة بقدر ما يكمن في هشاشة الداخل اليمني نفسه. فالاقتصاد الوطني يقف على أرض رخوة: انقسام نقدي، مؤسسات منقسمة، موارد محدودة، واعتماد واسع على الخارج في الغذاء والطاقة. أي توتر في البحر الأحمر ينعكس فورًا على كلفة التأمين والشحن، ومن ثم على أسعار السلع الأساسية وسعر الصرف وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها. وفي بلد مثقل بالأزمات، لا تُمتص الصدمات؛ بل تتراكم لتُنتج واقعًا أشد قسوة، يتوسع فيه اقتصاد الظل على حساب الاقتصاد الرسمي، وتتآكل فيه فكرة الدولة الجامعة.
سياسيًا، لا تمنح الحروب الإقليمية فرصة لتسويات وطنية هادئة؛ بل تدفع نحو إعادة التموضع خلف المحاور. كل خطوة داخلية تُقرأ بعيون الخارج، وكل مبادرة محلية تُوزن بميزان الاصطفاف الإقليمي. وبدل أن يكون المسار السياسي أداة لخفض التوتر، يصبح رهينة لحسابات الردع بين العواصم الكبرى. وهكذا يتراجع الأمل في توافق وطني مستقل، ويتعمق الاستقطاب الداخلي.
أما البحر الأحمر، فقد انتقل في الوعي الدولي من كونه ممرًا تجاريًا إلى ساحة اشتباك محتملة. وحين تتعرض الملاحة للتهديد، فإن اليمن لا يُنظر إليه فقط كأزمة إنسانية، بل كملف أمني دولي مفتوح على احتمالات تدخل مباشر أو غير مباشر في سواحله ومياهه. وهنا يتضاعف العبء على دولة لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها ولم تستعد عافيتها الاقتصادية.
إن التحدي الوطني الحقيقي لا يتمثل في التنبؤ بعدد الضربات أو اتجاهاتها، بل في تحصين الداخل من الارتدادات. فالدولة القوية اقتصاديًا ومؤسساتيًا تستطيع امتصاص العواصف، أما الدولة المنقسمة فتتحول كل أزمة خارجية فيها إلى عامل تسريع لانكشافها البنيوي. واليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى ساحة تُستخدمها التوازنات الإقليمية كلما اشتعلت، أو أن يستعيد زمام المبادرة عبر مشروع وطني جامع يعيد بناء الاقتصاد ويعزز وحدة المؤسسات ويحرر القرار الوطني من الارتهان.
قد لا يملك اليمن قرار إشعال الحرب، لكنه يملك – إن توفرت الإرادة – قرار تقليل كلفتها عليه. وفي زمن التحولات الكبرى، لا تحمي الدول الجغرافيا وحدها، بل يحميها وعيها بذاتها وقدرتها على بناء جبهة داخلية صلبة تجعلها فاعلًا لا مجرد ساحة.