اليمن ومأزق الميليشيا… لماذا لا يكفي سقوط طهران لإنهاء خطر الحوثي؟
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، يتجدد النقاش حول طبيعة المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحدود تأثيرها على شبكة الجماعات المسلحة المرتبطة بها. تقرير صادر عن منتدى الشرق الأوسط تناول أبعاد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وطهران من جهة أخرى، محدداً ثلاثة مسارات رئيسية للمواجهة: البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ الباليستية، وشبكة الوكلاء الإقليميين التي تمد النفوذ الإيراني خارج حدوده.
ورغم ما تحقق من ضغوط وعقوبات واختراقات استخباراتية أضعفت بعض هذه الأذرع، فإن الخلاصة التي يطرحها التقرير أكثر تعقيداً؛ إذ يشير إلى أن سقوط النظام في طهران – إن حدث – لن يعني بالضرورة نهاية التهديدات المتجذرة في عدد من الدول العربية، لأن بعض الجماعات المسلحة لم تكن مجرد صناعة إيرانية خالصة، بل كيانات تمتلك جذوراً محلية عميقة استثمرت الدعم الإيراني لتعزيز حضورها.
الباحث الأميركي مايكل روبين، الزميل في معهد أمريكان إنتربرايز، يرى أن عدداً من هذه الميليشيات يعيش مرحلة إعادة تموضع تحسباً لأي تحول استراتيجي. ففي لبنان، تلقى حزب الله ضربات مؤثرة أربكت حركته، لكنه لا يزال يحتفظ ببنية تنظيمية وشبكات تمويل خارجية تمنحه هامش استمرار. وفي العراق، برزت مؤشرات على تحوط سياسي لدى شخصيات ارتبطت بطهران، من بينها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، في ظل احتمالات تغير المشهد الإقليمي. أما في غزة، فتعتمد حماس مقاربة تقوم على البقاء وإعادة تثبيت موقعها كفاعل مسلح مهما تبدلت الظروف.
غير أن الحالة اليمنية تبدو مختلفة من حيث البنية والسياق. فالحوثيون، وفق القراءة ذاتها، ليسوا مجرد امتداد مباشر لقرار إيراني، بل حركة ذات خلفية تاريخية وفكرية سبقت مرحلة الارتباط الوثيق بطهران. لقد تمكنت الجماعة من استثمار الانقسامات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة والجغرافيا المعقدة لتعزيز سيطرتها، ما جعلها فاعلاً يتجاوز كونه مجرد ذراع خارجية.
هذا الواقع يطرح معضلة استراتيجية؛ إذ إن أي تغيير محتمل في طهران قد يضعف بعض شبكات النفوذ التي أنشأتها إيران مباشرة، لكنه لن يؤدي تلقائياً إلى تفكيك الكيانات التي رسخت حضورها محلياً وأقامت اقتصاداً موازياً وبنية سلطة أمر واقع. في اليمن، لا يقتصر التحدي على قطع خطوط الإمداد أو الضغط الدبلوماسي، بل يتصل بإعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتمكين القوى الوطنية من استعادة زمام المبادرة ضمن رؤية متماسكة وطويلة الأمد.
إن استمرار وجود جماعة مسلحة خارج إطار الدولة يمثل تحدياً للأمن الوطني اليمني وللاستقرار الإقليمي على حد سواء. ومن هنا، فإن المعالجة لا يمكن أن تكون أحادية البعد، بل تتطلب مقاربة شاملة تمزج بين الضغط السياسي والأمني، والدعم المؤسسي، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة.
يبقى السؤال المطروح: هل يكفي إضعاف المركز في طهران لإنهاء الأطراف في العواصم العربية؟ التجارب تشير إلى أن الإجابة أكثر تعقيداً. ففي اليمن تحديداً، تبدو المواجهة مع الحوثيين مرتبطة بعمق بإعادة بناء الدولة وترميم العقد الوطني، بما يضمن ألا يتحول الفراغ السياسي مجدداً إلى فرصة لتمدد قوى الأمر الواقع.